د.ناهد الوحش تكتب : دور الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية المتقدمة في تطوير واستدامة صناعة الألبان

4 يناير، 2026 - بتوقيت 6:05 م
د / ناهد عبد المقتدر الوحش- مركز البحوث الزراعية – معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية
يشكل التقدم في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية محركا أساسيا لإعادة تشكيل صناعة الألبان الحديثة من حيث جودة المنتجات وكفاءة العمليات واستدامة النظم الإنتاجية. وقد أسهم هذا التكامل في تجاوز الدور التقليدي للأحياء الدقيقة القائم على التخمير ليشمل التحكم في المجتمعات الميكروبية والتوصيف الجينومي المتقدم وتصميم البادئات الوظيفية وتطوير مكونات حيوية ذات خصائص محسنة وموجهة بدقة.
وقد أتاح الذكاء الاصطناعي أدوات تحليلية وتنبؤية متقدمة لتحليل البيانات الحيوية المعقدة مما أسهم في التنبؤ بسلوك الميكروبيوم أثناء عمليات التخمير وتحسين اختيار السلالات الميكروبية الآمنة والفعالة إلى جانب تصميم بروتينات وظيفية تلبي المتطلبات الحسية والتغذوية والصناعية.
ويهدف هذا المقال إلى تحليل الدور المتكامل لكل من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية المتقدمة في تطوير صناعة الألبان وتعزيز استدامتها وذلك من خلال استعراض تطبيقات هندسة الميكروبيوم والتوصيف الجينومي المتقدم للبكتيريا اللبنية وتصميم البادئات الميكروبية المخصصة للمنتجات العربية إلى جانب توظيف التحليل القائم على البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة العمليات الصناعية وتقليل استهلاك الموارد وتعزيزالاستدامة.
مفهوم وأهمية الميكروبيوم في منتجات الألبان:
الميكروبيوم اللبني هو مجموعة الأحياء الدقيقة (بكتيريا، خمائر، فطريات) التي تعيش في الحليب ومنتجاته مثل الجبن والزبادي. هذه الكائنات هي التي تحدد خصائص المنتج النهائية مثل النكهة، القوام، فترة الصلاحية والفوائد الصحية.
عندما نقول “هندسة الميكروبيوم” فنحن نقصد تعديل أو إعادة تصميم هذا النظام الميكروبي بطريقة موجهة علميا باستخدام تقنيات حديثة مثل:
الاختيار الانتقائي: اختيار سلالات محددة لها خصائص مرغوبة (مثل إنتاج نكهات فريدة أو تثبيط الميكروبات المسببة للفساد).
التعديل الوراثي : تعديل الجينات داخل السلالات لتحسين إنتاج مركبات معينة (مثل الببتيدات النشطة بيولوجيا).
الهندسة المجتمعية : ضبط توازن الميكروبات داخل النظام لضمان تفاعل متكامل بين الأنواع (مثل زيادة نشاط البكتيريا اللبنية المفيدة وتقليل الملوثات).
وقد أظهرت دراسات حديثة أن لكل منشأة تصنيع أو منتج ما يعرف بـ “الميكروبيوم الخاص بالمكان” (House Microbiome) والذي يؤثر بشكل مباشر في الخصائص النهائية للمنتج . ويعد فهم هذا الميكروبيوم والتحكم فيه أساسا لتطوير منتجات متجانسة وعالية الجودة.
تعتمد هندسة الميكروبيوم على التحكم المتعمد في تركيب المجتمعات الميكروبية ونشاطها الأيضي لتحقيق أهداف محددة. وتشمل أهم تطبيقاتها في صناعة الألبان ما يلي:
.1 تحسين النكهة والرائحة
تنتج النكهات المميزة لمنتجات الألبان نتيجة تفاعلات أيضية معقدة تقوم بها البكتيريا اللبنية مثل تحلل البروتينات والدهون. وقد أتاح التقدم في علم الميتاجينوميات فهم المسارات الجينية المسؤولة عن إنتاج المركبات العطرية مما سمح بتعزيزها عبر اختيار سلالات محددة أو تعديل نسبها داخل الميكروبيوم.
.2 تعزيز القيمة الوظيفية
تسهم هندسة الميكروبيوم في زيادة إنتاج المركبات النشطة بيولوجيا مثل الببتيدات الحيوية ذات التأثيرات المضادة للأكسدة أو الداعمة لصحة الجهاز الهضمي. ويعد ذلك أحد الاتجاهات الرئيسية في تطوير منتجات ألبان وظيفية تلبي احتياجات المستهلكين المهتمين بالصحة.
.3 تحسين الاستقرار والصلاحية
يساعد التحكم في النشاط الميكروبي على تقليل نمو الكائنات المسببة للفساد وتحسين الخصائص التخزينية للمنتجات مما يقلل الفاقد الغذائي ويدعم الاستدامة.
التقنيات الحيوية وتصميم البادئات الميكروبية المحلية
تمثل البادئات (Starter Cultures) عنصرا حاسما في تصنيع منتجات الألبان. ورغم شيوع استخدام بادئات قياسية عالميا إلا أن هذه البادئات قد لا تعكس الخصائص الحسية للمنتجات التقليدية المحلية. ومن هنا ظهرت أهمية تصميم بادئات مخصصة للمنتجات العربية تعتمد على عزل السلالات من المنتجات التقليدية وتوصيفها وراثيا ووظيفيا مما يتيح:
الحفاظ على الهوية الحسية للمنتجات العربية.
ضمان السلامة الميكروبية.
تحسين الثبات والجودة عبر الدورات الإنتاجية.
التوصيف الجيني للبكتيريا اللبنية ودوره في السلامة والجودة
أدى استخدام تسلسل الجينوم الكامل (WGS) إلى إحداث نقلة نوعية في فهم البكتيريا اللبنية حيث أصبح بالإمكان:
تحديد الجينات المسؤولة عن إنتاج النكهات.
الكشف عن عوامل الفساد أو مقاومة المضادات الحيوية.
تقييم االخصائص البروبيوتيكية للسلالات بدقة عالية .
وتعد هذه البيانات الجينومية أداة أساسية لاختيار سلالات آمنة وفعالة للاستخدام الصناعي بما يتماشى مع متطلبات السلامة الغذائية العالمية.
الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية المتقدمة في صناعة الألبان
تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في تصميم بروتينات ذات خصائص وظيفية محسنة مثل تحسين الذوبان وزيادة الثبات الحراري وتعزيز القدرة على تكوين الجل أو الرغوة.
تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بسلوك الميكروبيوم أثناء عمليات التخمير مما يسمح بالتحكم الدقيق في نشاط المجتمعات الميكروبية وتحسين الخصائص الحسية للمنتجات اللبنية.
توظف النماذج الذكية في تحسين العمليات الصناعية من خلال التحكم الألي في عمليات الإنتاج وتقليل استهلاك الطاقة والمواد الخام ورفع كفاءة استخدام الموارد.
يدعم هذا التكامل بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية تطوير صناعة ألبان أكثر كفاءة واستدامة وقادرة على تلبية متطلبات الجودة والسلامة والمعايير البيئية الحديثة
هندسة الميكروبيوم والاستدامة في صناعة الألبان
تسهم هندسة الميكروبيوم والتقنيات الحيوية في دعم الاستدامة من خلال:
تقليل الهدر الغذائي.
تحسين كفاءة استخدام المواد الخام.
تطوير منتجات ذات عمر تخزيني أطول.
خفض الاعتماد على الإضافات الكيميائية.
وتتماشى هذه الأهداف مع التوجهات العالمية نحو نظم غذائية مستدامة وصديقة للبيئة.
الخلاصة
أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية المتقدمة يمثلان ركيزتين أساسيتين في تطوير صناعة الألبان الحديثة ودعم استدامتها لما لهما من دور محوري في تحسين جودة المنتجات وتعزيز قيمتها الوظيفية وضمان سلامتها الميكروبيولوجية.
ويسهم التكامل بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحليل الذكي للبيانات والتقنيات الحيوية المتقدمة كالتوصيف الجيني للبكتيريا اللبنية وتصميم البادئات الميكروبية المخصصة للمنتجات العربية في إحداث نقلة نوعية في ابتكار منتجات ألبان عالية الجودة. ويعد هذا التكامل مسارا استراتيجيا واعدا لتطوير صناعة ألبان قادرة على الجمع بين الكفاءة الإنتاجية والاستدامة البيئية والحفاظ على الهوية الغذائية العربية مع الالتزام بالمعايير العالمية للجودة والسلامة.



