د.فوزي ابودنيا يكتب : تأثير الضربة الأمريكية لفنزويلا وانعكاستها على الثروة الحيوانية

6 يناير، 2026 - بتوقيت 3:10 ص

د. فوزى محمد ابودنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيوانى سابقا

 

 

يعتبر ارتفاع أسعار النفط بعد الضربة الأمريكية على فنزويلا تهديدٌ جديد للثروة الحيوانية والداجنة والأحياء المائية في مصر وانعكاساته على المستهلك خلال المواسم الدينية. في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وجّهت الولايات المتحدة ضربة عسكرية محدودة ضد منشآت نفطية في فنزويلا، ما أثار مخاوف عالمية من اضطراب إمدادات الطاقة. وعلى الرغم من أن التأثير الفوري على أسعار النفط ظل محدودًا بفعل وفرة المعروض العالمي، إلا أن الأسواق تترقب بقلق احتمالات تجدد التقلبات في سوق الطاقة. وفي مصر، يُعد هذا التهديد مقلقًا بشكل خاص، نظرًا لارتباط القطاع الزراعي ولا سيما الثروة الحيوانية والداجنة والأحياء المائية ارتباطًا وثيقًا بتكاليف الطاقة، سواء من حيث التشغيل أو الاستيراد.

 

الطاقة تعتبر الشريان الحيوي للإنتاج الحيواني والداجني

يعتمد الإنتاج الحيواني والداجني في مصر بشكل مباشر على الطاقة، ليس فقط في تشغيل المزارع (تهوية، تبريد، ري محاصيل الأعلاف، إضاءة)، بل أيضًا في سلاسل الإمداد والتوزيع. ويتضاعف هذا الاعتماد في ظل الاعتماد الجزئي على الوقود الأحفوري لتشغيل محطات ضخ المياه، وأنظمة التهوية في المزارع الكبيرة، ووسائل النقل البري والبحري لنقل الأعلاف والمنتجات النهائية. وبما أن أسعار النفط تتحكم في تكلفة الوقود والكهرباء حتى في ظل الدعم الحكومي فإن أي ارتفاع في أسعار الخام العالمي ينعكس سلبًا على تكاليف التشغيل اليومية لمزارع الدواجن والماشية والأسماك. وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع سعر برميل النفط بنسبة 10% قد يرفع تكلفة إنتاج كيلو الدجاج الحي بنسبة تتراوح بين 3% و5%، وهو هامش هش في ظل هوامش ربح محدودة أساسًا.

أزمة الأعلاف يعتبر القلب النابض للأزمة

أكثر ما يهدد قطاع الثروة الحيوانية والداجنة في مصر هو ارتباطه الوثيق باستيراد الأعلاف، خصوصًا فول الصويا وحبوب الذرة، اللذين يُستورد جزء كبير منهما من أمريكا الجنوبية. ويعتمد استيراد هذه الكميات الضخمة على النقل البحري، الذي يتأثر مباشرةً بأسعار الوقود. فمع ارتفاع تكاليف الشحن، ترتفع تكلفة طن العلف، ما يُجبر المربين على رفع أسعار منتجاتهم أو تقليل الكميات المُنتجة، أو كليهما. وتكمن المشكلة في أن مصر تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها من الأعلاف، ما يجعلها عرضة لموجات الصدمات العالمية في أسعار الطاقة والحبوب. وفي حال استمرار التوترات الجيوسياسية أو اندلاع أزمات لوجستية جديدة، فإن أسعار الأعلاف وبالتالي أسعار اللحوم والدواجن والأسماك قد تشهد قفزات حادة في الأشهر المقبلة.

التأثير على الأحياء المائية كقطاع ناشئ تحت النار

يمثل قطاع الأحياء المائية أحد أعمدة الأمن الغذائي المصري، خاصة مع التوسع الكبير في مزارع الاستزراع السمكي في بركة غليون وشبه جزيرة سيناء. لكن هذا القطاع يعاني من حساسية عالية تجاه تكاليف الطاقة، إذ تعتمد المزارع الحديثة على أنظمة تهوية كهربائية وتبريد مستمرة، فضلاً عن اعتمادها على أعلاف مستوردة. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في تكلفة الكهرباء أو الأعلاف سيؤثر بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الكيلوغرام من السمك، ما قد يوقف خطط التوسع الطموحة ويهدد استقرار الأسعار.

المواسم الدينية اختبار حقيقي للمستهلك المصري

يأتي هذا التهديد في وقت حرج، مع اقتراب شهر رمضان، الذي يشهد طلبًا متزايدًا على البروتين الحيواني لحومًا، دواجن، وأسماكًا تليه مناسبتان أخريان هامتان: عيد الفطر وعيد الأضحى، بالإضافة إلى أعياد الميلاد المجيد لدى الأخوة المسيحيين. ويُعد استقرار أسعار هذه المنتجات خلال هذه الفترات أمرًا حيويًا للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصًا ذوي الدخل المحدود. وإذا ما تزامن ارتفاع تكاليف الإنتاج مع تراجع القدرة الشرائية بسبب التضخم، فقد تواجه الأسر المصرية صعوبات حقيقية في تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية خلال مواسم العبادة والاحتفال. وهذا ينذر بارتفاع في معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال، في حال لجأت الأسر إلى استبدال البروتين الحيواني بمصادر بديلة أقل جودة.

بدائل وتوصيات للحد من الأثر

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تدخلات عاجلة من قبل الدولة والقطاع الخاص، تشمل:

١- تعزيز استخدام الأعلاف المحلية: المُنتجة من بدائل الاعلاف والمتبقيات الزراعية مثل متبقيات المحاصيل والخضروات والتصنيع الزراعى لانتاج الأعلاف غير التقليدية.

٢- دعم مزارع الطاقة المتجددة: في المنشآت الحيوانية والداجنة لتقليل الاعتماد على الشبكة الكهربائية والوقود.

٣- خلق مخزون استراتيجي من الأعلاف: يُمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات.

٤- التنسيق مع الجهات المعنية: لضبط سلاسل التوزيع ومنع المحتكرين من استغلال الأزمات لرفع الأسعار بشكل غير مبرر.

وفى نهاية المطاف نذكر بأن الضربة العسكرية الأمريكية على فنزويلا قد لا تكون كارثة نفطية عالمية، لكنها تذكير قوي بهشاشة أمننا الغذائي في ظل الاعتماد على مصادر طاقة ومواد خام خارجية. وثمة فرصة حقيقية الآن قبل دخول مواسم الذروة الاستهلاكية لإعادة تقييم سلاسل الإمداد الحيوانية، ودعم المربين، وحماية المستهلك. فالأمن الغذائي لا يُبنى فقط على الكميات المنتَجة، بل على قدرتنا على الحفاظ على استقرار الأسعار في أحلك الظروف.