د.فوزي ابودنيا يكتب: يرقات ذبابة الجندي الأسود  في ميزان صناعة الأعلاف

8 يناير، 2026 - بتوقيت 3:57 ص

د. فوزى محمد ابودنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيوانى سابقا

 

 

يرقات ذبابة الجندي الأسود (Hermetia illucens) تعتبر واحدة من أكثر الحشرات التي يتم استزراعها حالياً كمصدر بروتيني بديل في الأعلاف الحيوانية، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على البروتين، وارتفاع تكاليف الأعلاف التقليدية مثل فول الصويا ومسحوق السمك. ومع ذلك، فإن تربية هذه اليرقات واستخدامها في تغذية الدواجن والأسماك والماشية ينطوي على بعض مخاطر بيولوجية وكيميائية وبيئية متعددة يجب تقييمها بعناية ضمن سياق مصر والدول النامية التي قد تفتقر إلى البنية التحتية الرقابية الكافية.

أولاً: المخاطر الميكروبيولوجية وناقلات الأمراض

 

من الناحية الميكروبيولوجية، تُعتبر يرقات ذبابة الجندي الأسود قادرة على تناول أنواع واسعة من المخلفات العضوية، بما في ذلك مخلفات المطاعم، بقايا الأغذية، والروث الحيواني، ما يجعلها عُرضة للاحتكاك المباشر بمسببات أمراض متنوعة مثل:

السالمونيلا (Salmonella).

الليستيريا (Listeria).

الإشيريشيا القولونية (E. coli).

الكلوستريديوم (Clostridium).

وعلى الرغم من أن الجهاز الهضمي لليرقة يحتوي على إنزيمات وبيئة قلوية قادرة على إبادة جزء كبير من هذه الميكروبات، فإن دراسات حديثة، خصوصاً تلك المنشورة في مجلة Frontiers in Microbiology، تشير إلى أن بعض السلالات البكتيرية قد تنجو داخل أنسجة اليرقة أو تعلق على سطحها الخارجي، خاصة إذا جرت عمليات الحصاد أو التجفيف بشكل غير ملائم أو كافٍ أو غير معقم بطريقة سليمة. ونتيجة لذلك، يمكن أن تنتقل هذه الميكروبات إلى الحيوانات التي تتغذى على الأعلاف المحتوية على اليرقات، ثم إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية.

ثانياً: التراكم الحيوي والسموم الكيميائية

 

أما من الناحية الكيميائية، فإن اليرقات تتميز بقدرتها الفائقة على التراكم الحيوي (bioaccumulation)، حيث تُخزن في أجسامها:

المعادن الثقيلة: مثل الرصاص، الكادميوم، الزئبق، والزرنيخ.

الملوثات العضوية الثابتة (POPs): كـمبيدات الآفات، وثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCBs)، والديوكسينات.

هذه المواد لا تتحلل بسهولة، بل وتتحمل المعالجات الحرارية العادية (حتى 70°م)، ما يعني أن تجفيف اليرقات بصورة غير سليمة أو مجرد طحنها لا يكفي لإزالة السموم. وعندما تُستخدم هذه اليرقات كعوامل تغذية للحيوانات، فإن هذه السموم تتراكم في أنسجة الدواجن والأسماك، وتصل في النهاية إلى الإنسان، مسببة اضطرابات هرمونية، أمراض الكبد، خلل في الجهاز العصبي، بل وحتى السرطان.

ثالثاً: سلامة الركيزة (Substrate) وتاثير استهلاك اليرقات التى تتناولها على صحة البشر

 

يُضاف إلى ذلك مخاطر سلامة الأعلاف المرتبطة بـنوعية الركيزة التي تُربى عليها اليرقات. فكلما كانت المخلفات المستخدمة في التغذية أكثر تلوثاً، كمخلفات مصانع الأغذية الممزوجة بالنفايات المنزلية أو الروث غير المعالَج، زاد احتمال تلوث اليرقات. وتكشف تقارير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) لعام 2015 عن وجود فجوات معرفية كبيرة في فهم تأثيرات استهلاك الحشرات على صحة الإنسان والحيوان، خصوصاً في حال استخدام ركائز غير موحدة أو غير مراقبة.

رابعاً: التحديات التغذوية والهضمية

 

تذبذب الجودة:

يحتوي بروتين اليرقات على تركيبة جيدة من الأحماض الأمينية الأساسية، لكن جودته تعتمد بشكل مباشر على نوعية ونسبة الكربون إلى النيتروجين في الركيزة. اليرقات المرباة على نفايات غنية بالدهون أو قليلة البروتين تُنتج أعلافاً غير متوازنة، وقد تحتوي على أحماض أمينية ناقصة أو دهون غير صحية.

 

تأكسد الدهون العالية:

في اليرقات نسبة مرتفعة من الدهون تجعلها عرضة للتأكسد السريع، ما قد يُنتج مركبات ضارة مثل الألدهيدات والكيتونات عند التخزين الطويل.

 

مادة الكيتين:

وجود هذا البوليمر السكري قد يؤثر سلباً على هضم الألياف في المجترات، ويُضعف كفاءة امتصاص العناصر الغذائية في الدواجن والأسماك.

 

الميكروبيوم المعوي:

الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى خلل في الميكروبيوم المعوي للحيوانات، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالعدوى أو تطور مقاومة للمضادات الحيوية.

 

خامساً: التهديدات البيئية والأمان الحيوي

 

من الناحية البيئية والحيوية، يُشكل توطين أو إطلاق ذبابة الجندي الأسود خارج بيئاتها الطبيعية تهديداً بيئياً محتملاً. فهذه الحشرة سريعة التكاثر، وقادرة على التكيف مع مناخات متنوعة، وقد تتحول إلى نوع غازي (invasive species) يهدد التنوع البيولوجي المحلي، خصوصاً إذا هربت سلالات مهندَسة وراثياً من المزارع التجريبية وتهجنت مع سلالات برية. وهذا ما حذرت منه دراسات نُشرت في مجلتي MDPI وBiological Invasions.

سادساً: القبول المجتمعي والشفافية

 

على صعيد القبول المجتمعي والأخلاقي، يبقى السؤال الأهم، هل يقبل المستهلك المصري بمنتجات حيوانية مغذاة على حشرات تُربى على المخلفات؟. إن الإخفاء أو غياب الشفافية في إفصاح مكونات الأعلاف قد يؤدي إلى صدمة استهلاكية واسعة، تُضعف الثقة في سلامة اللحوم والأسماك. ولذلك، فإن الشفافية في سلسلة التوريد، والرقابة الصارمة على مصادر الركيزة، واعتماد معايير وطنية ملزمة هي شروط لا غنى عنها.

يمكن القول باختصار انه بينما تبقى يرقات ذبابة الجندي الأسود فرصة واعدة لتدوير المخلفات وتقليل انبعاثات الكربون، إلا أن استغلالها يجب أن يتم ضمن إطار علمي صارم، ورقابة بيولوجية محكمة، وتشريعات وطنية واضحة. فالاقتصاد وحده لا يبرر المخاطرة بصحة الإنسان أو التوازن البيئي، ولا يجوز أن يكون البحث عن بدائل الأعلاف سبباً في فتح الباب أمام سموم صامتة أو غزو بيولوجي غير محسوب. فالأمان الحيوي، وحق المواطن في غذاء نظيف وآمن، يظلان الخطين الأحمرين اللذين لا تنازل عنهما. ويكفى ان يكون لدينا عبرة من تسرب وإدخال الاستكوزا للنيل واثرها على البيئة الببولوجية به.