د. عاطف عشيبة يكتب : الأوزون في صناعة الأغذية: التطبيقات، الفوائد والتحديات

26 يناير، 2026 - بتوقيت 3:37 م

د . عاطف سعد عشيبة – وكيل معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية

 

 

مع التزايد المستمر في الحاجة لضمان سلامة الغذاء وجودته، أصبحت الصناعات الغذائية تبحث عن حلول مبتكرة وفعالة للحد من التلوث الميكروبي والحفاظ على المنتجات الغذائية للمستهلك. يعد الأوزون من أبرز هذه الحلول، إذ يمكن استخدامه لتعقيم المياه، اللحوم، الأسماك، الفواكه، والخضروات، مع الحفاظ على الخصائص الحسية والجودة الغذائية. علاوة على دوره في القضاء على الجراثيم، يسهم الأوزون في تقليل الفاقد الغذائي وإطالة فترة الصلاحية، ما يجعله خيارًا واعدًا للصناعة الغذائية الحديثة.

تاريخيًا، تم اكتشاف الأوزون في عام 1840، وبدأ استخدامه في أوروبا لمعالجة مياه الشرب في أوائل القرن العشرين. أما تطبيقاته في صناعة الأغذية فبدأت في عشرينيات القرن الماضي، خصوصًا في معالجة الأسماك والمحار للحد من نمو البكتيريا الضارة دون التأثير على الطعم أو ملمس المنتج. ومع مرور الوقت، توسعت تطبيقات الأوزون لتشمل مجموعة واسعة من الأطعمة، مع التركيز على الحفاظ على الجودة وسلامة المستهلك.

اعتماد الأوزون من قبل الجهات التنظيمية

منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الموافقة الرسمية على استخدام الأوزون في معالجة الأغذية والمياه المعبأة، وهو ما يُعد تطورًا محوريًا في مجال سلامة الغذاء. جاء هذا الاعتماد في يونيو 2001 بعد مراجعة دقيقة من قبل الجهات المختصة، مما أتاح استخدام الأوزون كعامل مضاد للميكروبات في تصنيع وتخزين المنتجات الغذائية مثل اللحوم والدواجن. ويعكس هذا القرار الاعتراف العلمي بفوائد الأوزون ودعمه للتوسع في تطبيقاته الصناعية.

سبق أن حصل الأوزون على تصنيف “عادة ما يعتبر آمنًا” (GRAS) لاستخدامه في معالجة المياه المعبأة منذ عام 1982، كما أن بعض الدول، مثل اليابان وأستراليا وفرنسا، اعتمدت الأوزون في معالجة الأغذية منذ فترة طويلة، مما يدل على فعاليته المثبتة في الحفاظ على جودة وسلامة المنتجات الغذائية والحد من التلوث الميكروبي.

الخصائص العلمية للأوزون

يمتاز الأوزون بخصائص علمية فريدة تجعله أداة فعالة لمعالجة الأغذية. فهو يمتلك قدرة قوية على القضاء على الكائنات الدقيقة من خلال أكسدة أغشية الخلايا البكتيرية والفطرية، ما يؤدي إلى موت هذه الكائنات بسرعة وكفاءة عالية. كما يتحلل الأوزون بسرعة إلى أكسجين طبيعي، ولا يترك أي مخلفات كيميائية ضارة، ما يضمن سلامة الغذاء للاستهلاك البشري.

بالإضافة إلى ذلك، يمتاز الأوزون بنشاط قصير المدى، مما يتيح التحكم الدقيق في الجرعات ومدة المعالجة لتجنب أي تأثير سلبي على المنتجات الحساسة. وتشير الدراسات إلى أن فعالية الأوزون تفوق الكلور والمطهرات التقليدية، سواء من حيث نطاق القضاء على الجراثيم أو الكفاءة المضادة للميكروبات، ما يجعله أداة مثالية لتعزيز سلامة الأغذية وجودتها.

التطبيقات العملية للأوزون في صناعة الأغذية

معالجة الأسماك والمأكولات البحرية

غسل الأسماك والمأكولات البحرية بالماء المعالج بالأوزون يقلل الحمل الميكروبي بشكل فعال، ويطيل العمر الافتراضي للمنتجات من 5 إلى 16 يومًا حسب نوع المنتج ودرجة المعالجة. الدراسات تشير إلى أن الأوزون يحافظ على اللون والطعم الطبيعي للمنتجات، ما يضمن جودة حسية عالية للمستهلك، ويحد من احتمالية انتقال الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء.

حفظ اللحوم والبيض

يمكن استخدام الأوزون الغازي لتخزين اللحوم والبيض في ظروف درجات حرارة منخفضة، حيث يمنع نمو البكتيريا والفطريات بفعالية، ويحد من فقد الجودة أثناء فترة التخزين. هذه الطريقة تساعد الصناعة الغذائية على الحفاظ على المنتجات طازجة لفترة أطول، وتقليل الهدر الاقتصادي المرتبط بتلف المواد الغذائية، كما توفر بديلاً آمنًا للمواد الحافظة الكيميائية التقليدية.

معالجة الفواكه والخضروات

تساهم معالجة الفواكه والخضروات بالماء المعالج بالأوزون في تقليل أعداد البكتيريا والخمائر والفطريات بنسبة قد تتجاوز 90٪، مما يطيل فترة الصلاحية ويحافظ على نضارة المنتجات. يجب ضبط تركيز الأوزون ومدة المعالجة بعناية لتجنب التلف في المنتجات الحساسة، مثل الفواكه الطرية والأوراق الخضراء، حيث يمكن أن تؤدي الجرعات الزائدة إلى فقدان اللون أو القوام الطبيعي للمنتج.

الدواجن وإعادة استخدام المياه

يتيح استخدام الأوزون في معالجة مياه غسل الدواجن إعادة استخدامها، ما يقلل الحمل الجرثومي ويحافظ على جودة الذبائح، وفي الوقت نفسه يوفر الموارد المائية ويخفض التكاليف التشغيلية للمصانع، ويعكس إمكانية الاستخدام المستدام للأوزون في خطوط إنتاج الأغذية.

تخزين منتجات الألبان والحبوب

يمكن استخدام الأوزون بشكل دوري في تخزين منتجات الألبان مثل الجبن، وكذلك الحبوب والمكرونة والمعجنات، لمنع نمو العفن والبكتيريا، ما يطيل فترة الصلاحية ويحافظ على الجودة لفترات أطول. هذا يقلل الاعتماد على المواد الحافظة الكيميائية ويعزز سلامة المنتجات الغذائية، مع الامتثال للمعايير الصحية العالمية.

آلية عمل الأوزون

يعمل الأوزون كعامل مؤكسد قوي، حيث يقوم بأكسدة أغشية الخلايا البكتيرية والفطرية، مما يؤدي إلى موت الكائنات الدقيقة بسرعة وكفاءة عالية. كما يحلل المركبات العضوية المسببة للروائح غير المرغوبة أو تغير اللون في المنتجات الغذائية، ويزيل بعض السموم البيولوجية الناتجة عن البكتيريا والفطريات. هذه الخصائص تجعل الأوزون فعالًا ضد نطاق واسع من الكائنات الدقيقة الضارة بالصحة، مما يضمن سلامة الأغذية ويطيل فترة صلاحيتها مع الحفاظ على الجودة.

التحديات

على الرغم من الفوائد العديدة لاستخدام الأوزون في صناعة الأغذية، إلا أن هناك عدة تحديات يجب أخذها في الاعتبار لضمان الفعالية والسلامة. من أبرز هذه التحديات الحاجة إلى التحكم الدقيق في جرعات الأوزون ومدة المعالجة، إذ أن الإفراط في التعرض قد يؤدي إلى تلف المنتجات الحساسة مثل الفواكه والأوراق الخضراء. كما أن التفاعل السريع للأوزون مع المواد العضوية يتطلب استخدام أنظمة معالجة متقدمة ومعدات دقيقة لضمان توزيع الغاز بشكل متساوى وفعال. بالإضافة إلى ذلك، يتعين مراعاة سلامة العاملين عند التعامل مع الأوزون الغازي، إذ أن التعرض المباشر له قد يكون ضارًا، مما يستلزم توفير إجراءات حماية مناسبة مثل التهوية الجيدة وأجهزة قياس تركيز الأوزون لضمان بيئة عمل آمنة.