د. فوزي ابودنيا يكتب : نحو إصلاح زراعي يحقق الكفاءة الاستثمارية والعدالة الاجتماعية

7 فبراير، 2026 - بتوقيت 10:33 م

د. فوزي محمد أبودنيا  – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقًا

 

يشهد القطاع الزراعي المصري اليوم تحولًا جوهريًّا يطرح مقارنة عميقة بين نموذجين متعارضين في الفلسفة والنهج هما النموذج الاجتماعي الذي ساد منذ عهد عبد الناصر، وركّز على العدالة التوزيعية وتمكين الفلاح كمالك للأرض، وظل هذا النمط سائد وظاهر جليًّا في تجربة قرى النوبارية في عهد مبارك، مقابل ذلك نرى الآن النموذج الرأسمالي الاستثماري الذي تقوده الدولة حاليًّا عبر جهاز مستقبل مصر، والذي يركّز على الكفاءة الإنتاجية، الجدوى الاقتصادية، وتحويل الأرض إلى أصل مالي يدر عوائد استثمارية عالية. وبين هذين القطبين، يبرز سؤال محوري، كيف نحقق التوازن بين الحداثة التقنية والعدالة الاجتماعية، دون أن نُفقِد الفلاح هويته أو نُضعِف الأمن الغذائي الوطني؟

 

النموذج الاستثماري بمثابة تحديث ضروري

الناظر الى الحراك القائم في الزراعة المصرية لا يمكنه إنكار أن نموذج مستقبل مصر يعالج سلبيات مزمنة أثّرت على الكيان الزراعي المصري لعقود. عبر اعتماد الزراعة الواسعة (Large-scale farming) فقد نجح في تجاوز تفتت الحيازة وهذا الجانب في منتهى الأهمية، مما يمكّن من استخدام الميكنة الحديثة ونظم الزراعة الدقيقة. بجانب ذلك تسريع وتيرة الاستصلاح وذلك بفضل الآلية السيادية والعسكرية، التي أدخلت ملايين الأفدنة (مثل الدلتا الجديدة) إلى الخدمة في وقت قياسي. بالإضافة الى ذلك تطوير البنية التحتية عبر إنشاء طرق، شبكات طاقة، ومحطات معالجة مياه عملاقة (كمحطة الحمام)، وهي استثمارات تفوق قدرة صغار المزارعين. في الواقع كل ذلك يُعدّ خطوة لا غنى عنها لمواجهة تحديات وجودية مثل شح المياه، تغير المناخ، والنمو السكاني المتسارع. وفى هذا الإطار فإننا نطلق رؤية في نسق هذا الإطار لعله يكون بداي هاو توجيه الأنظار للاصطلاح الزراعي الحديث في مصر، وهي رؤية مرنه تحتمل الإضافة والبناء عليها للوصول الى أفضل كيان أو منظومة زراعية تحقق أهدافنا الإنتاجية على المستوى القومي في المجال الزراعي.

كما انه لا يمكن في إطار هذا النقاش أن ننكر سلبيات النموذج الاستثماري رغم أهميته، نظرا لما ينجم عنه من إحداث مخاطر اجتماعية واستراتيجية، فمع الجوانب الإيجابية لمنع تفتت المساحات الزراعية والمساهمة في استخدام الآلات وتطبيق الزراعة الدقيقة الخ، فانه مع ذلك، فإن هذا النموذج يحمل في طياته مخاطر لا تقل خطورة مثل لإقصاء الاجتماعي، حيث يتحول الفلاح من مالك إلى عامل أجير لدى شركات كبرى، مما يُضعف تمكينه المجتمعي ويُسرّع نزوحه من الريف. كما أن هذا النموذج الاستثماري يركز على الربح لا الأمن الغذائي إذ يميل المستثمرون إلى زراعة محاصيل تصديرية (مثل الفراولة والموالح) ذات العائد العالي، على حساب المحاصيل الاستراتيجية (القمح، الذرة) ذات العائد المنخفض نسبيًّا. أيضا فان من سلبيات هذا النموذج تآكل التنوع البيولوجي، حيث أن الاعتماد على الزراعة الأحادية (Monoculture) يهدد التنوع الزراعي المحلي الذي كان يضمنه صغار المزارعين. بالإضافة الى الهشاشة السعرية، وذلك نتيجة ارتفاع تكاليف الإيجار والطاقة يُحمّل المواطن النهائي أسعارًا مرتفعة، خاصة في السلع الطازجة المرتبطة بالسوق العالمي.

 

التأثيرات المتوقعة للنموذج الاستثماري على كل من الفلاح، القطاع الزراعي، والمواطن

أولا: المزارع الصغير: يجد نفسه محصورًا بين إيجارات باهظة في الأراضي القديمة، واستبعاد من الأراضي الجديدة بسبب شروط المساحات الكبيرة، مما يدفعه نحو الهجرة أو البطالة.

ثانيا: القطاع الزراعي: يشهد تحولًا من “زراعة الإعاشة” إلى “زراعة التصدير”، ما يعزز الصادرات لكنه يزيد هشاشته أمام تقلبات أسواق الحبوب العالمية.

ثالثا: المواطن المستهلك: قد يواجه مفارقة غذائية مثل وفرة في المنتجات، لكن بأسعار خاضعة للمنطق الريعي والتصدير، مما يرهق القدرة الشرائية للفئات غير الغنية.

 

موقف المحاصيل الاستراتيجية بين السيادة الوطنية ومنطق السوق

دعنا نمعن النظر في هذا السياق، حيث تظهر توترات واضحة في إدارة المحاصيل الأساسية متمثلة في القمح والذرة حيث تضطر الدولة لفرض زراعتها عبر الزراعة التعاقدية السيادية لضمان الأمن الغذائي، رغم انخفاض جاذبيتها للمستثمر الخاص. كذلك محصول بنجر السكر والذي يُعتمد عليه لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر، مع التحوّل من قصب الصعيد إلى البنجر الصحراوي. بجانب ذلك ومن المهم النظر الى محصول القطن المصري الذي يواجه تراجعًا بسبب غياب سلسلة القيمة الكاملة (غزل ونسيج) في مناطق الاستصلاح الجديدة.

 

الحل في التوجه نحو التعاونيات الذكية كنموذج هجين

هنا نجد أنفسنا أمام معضلة ولتجاوز هذه المعضلة الثنائية، نقترح نموذجًا هجينًا يدمج مزايا النموذجين الاستثماري والاجتماعي من حيث الكفاءة التقنية من جهة، والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى. نطلق عليه نموذج التعاونيات الذكية، ويتكون من ثلاثة محاور أساسية تتمثل في:

 

هيكل الأرض (The Spatial Design)

حيث يتم هنا تقسيم دوائر الري (Center Pivot) إلى وحدات صغيرة (5 أفدنة لكل فلاح/شاب)، مع حق انتفاع وليس ملكية. على أن تكون الإدارة مركزية للموارد (مياه، أسمدة، ميكنة) عبر جهاز مستقبل مصر لضمان الجودة وتقليل التكلفة.

 

منظومة الإنتاج المتمثلة في سلاسل الإنتاج (The Value Chain)

تعتمد منظومة الإنتاج هنا على زراعة تعاقدية ملزمة يكون فيها 60% محاصيل استراتيجية (قمح، ذرة)، 40% محاصيل تصديرية. الى جانب ذلك يتم تجميع المحصول من الصغار ومعاملته ككتلة واحدة (Bulk) لتعزيز قوتهم التفاوضية في التسويق. بالإضافة الى إقامة صناعات زراعية وإنتاج حيواني الخ.

 

الاستعانة بالتكنولوجيا والرقمنة (The Digital Layer)

حيث يتم عمل توأم رقمي لكل مزرعة يُرشد الفلاح عبر تطبيق ذكي لمواعيد الري والتسميد بدقة. الى جانب ذلك توفير تمويل أخضر مضمون بعقد الانتفاع والمحصول القادم، لا بملكية الأرض. بل وتتعدى الإنتاج الى التسويق.

 

النتائج المتوقعة لهذا النموذج

هنا نصل الى السؤال الأكثر أهمية وهو، ماهي النتائج المتوقعة لمثل هذا النموذج؟

من تطبيق هذا النموذج يمكننا القول بانه يمكن تحقيق أمن غذائي أقوى وذلك عبر التزام جماعي بزراعة الحبوب. كذلك حدوث استقرار اجتماعي عبر خلق وظائف ملكية تُقلل الهجرة الريفية. بجانب كفاءة مائية أعلى نتيجة توفير 30% من المياه عبر الإدارة المركزية للري. وفى النهاية تحقيق عدالة سعرية بفصل سعر السلع الاستراتيجية عن مضاربات السوق العالمي.

 

القاعدة الإنتاجية في مجال الزراعة تشير الى انه لا تحديث بلا تمكين، فإذا كان النموذج الناصري قد أخطأ حين خلق فلاحًا يملك أرضًا لكنه فقير تقنيًّا، فإن النموذج الحالي يخاطر بأن يُنتج أرضًا غنية تقنيًّا لكن بلا فلاحين. والحل ليس في العودة إلى الماضي، ولا في الانزياح الكامل نحو الريع، بل في دمج الفلاح في منظومة الحداثة، لا كعائق، بل كشريك فاعل. فالمستقبل الزراعي لمصر لن يكون مستدامًا إلا إذا كان منتجًا، عادلًا، ومُمكّنًا في آنٍ واحد.