د.فوزي ابودنيا يكتب : الآثار الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية على وضع الثروة الحيوانية والإجراءات المقترح تبنيها

2 مارس، 2026 - بتوقيت 12:14 ص
د. فوزي محمد ابودنيا، مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا.
لم تعد أصداء الحرب الأمريكية الإيرانية مجرد عناوين في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى واقع ضاغط يضرب بعنف أحد أهم ركائز الأمن الغذائي المصري، وهو قطاع الثروة الحيوانية. ففي لحظات حرجة كهذه، يجد المزارع المصري خاصة مربي الماشية والدواجن نفسه أمام طرفي مقص حاد، طرفه الأول هو الارتفاع الجنوني في تكاليف الشحن والتأمين البحري وطرفه الثاني هو الارتباك العالمي في سوق الحبوب والزيوت، مما يجعل أسعار خامات الأعلاف خاصة الذرة الصفراء وفول الصويا تقفز إلى مستويات قياسية، وهو ما يضع المربي الصغير والكبير على حد سواء أمام اختبار البقاء. إن التأثير الفوري لهذه الحرب على الثروة الحيوانية يتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار؛ فهو يمس سلسلة الإمداد في مقتل، حيث سيتسبب التوتر إلى تأخير وصول الشحنات المتعاقد عليها، ما يخلق فجوة في المعروض المحلي تدفع بأسعار اللحوم والدواجن نحو مستويات غير مسبوقة خاصة وأننا في أيام مواسم دينية. هذا الوضع يهدد بتآكل القطعان سواء الماشية أو الدواجن، حيث قد يضطر المربون، تحت ضغط نقص العلف وارتفاع تكلفة السولار اللازم للنقل والتدفئة، إلى التخلص من قطعانهم بالذبح المبكر، وهو ما يعني خسارة استراتيجية طويلة الأمد للثروة الحيوانية في مصر يصعب تعويضها في المدى القريب. إن وضع المشروعات القومية الكبرى، وعلى رأسها مشروع البتلو، في مأزق حقيقي، فالمشروع الذي استهدف دعم صغار المربين بتمويلات تجاوزت 10 مليارات جنيه، سوف يواجه الأيام القادمة ضغوطاً هائلة نتيجة تآكل الهامش الربحي للمربين بفعل أسعار الذرة والصويا المتوقع ارتفاع أسعارها ونقص المعروض منها، مما يهدد بتوقف دورات التسمين وتراجع إنتاج اللحوم الحمراء في توقيت حرج يتزامن مع ذروة الاستهلاك في شهر رمضان المبارك والصوم الكبير للإخوة المسيحيين. ولن يتوقف الضرر عند حدود إنتاج اللحوم، بل سيمتد ليشمل مراكز تجميع الألبان التي تعد شريان الحياة لصغار المنتجين في الريف، فمع خروج بعض المربين من المنظومة نتيجة عجزهم عن توفير الأعلاف المركزة بأسعارها الحالية، فإن معدلات توريد الألبان الخام ستبدأ في التذبذب، مما يهدد استقرار أسعار الألبان ومنتجاتها في الأسواق المحلية. هذا الارتباك سوف يطال بالتباعية أيضاً القطاع الاستثماري الداجني والحيواني، حيث بات المستثمرون يواجهون مخاطر عالية نتيجة تقلب أسعار الصرف وصعوبة التنبؤ بتكاليف الإنتاج، وهو ما يمكن أن يؤدي لانكماش حركة التصدير للمنتجات الحيوانية المصرية التي سوف تخسر تنافسيتها السعرية في أسواق الخليج نتيجة لارتفاع تكاليف الشحن من جهة، وتراجع الطلب الإقليمي المتأثر بأجواء الحرب من جهة أخرى. وفي خضم هذه الأزمة المعقدة، تبرز التربية المنزلية للدواجن التي تحدثنا كثيراً عنها مراراً وتكراراً دون جدوى من مسئولة الدولة والتي تعتبر في مثل هذه الآونة وتلك الأزمات كبطل شعبي وحل عبقري لمواجهة نقص البروتين الحيواني، ففي القرى والنجوع، تمثل تربية الدجاج والبط والبيض في المنازل حائط صد منيعاً يوفر الاحتياجات الذاتية للأسر بعيداً عن تقلبات البورصات العالمية، وهو ما يستوجب على الدولة اليوم دعم هذا القطاع الريفي وتوفير التحصينات اللازمة له كبديل آمن وسريع لتوفير اللحوم البيضاء والبيض بأسعار في المتناول. لقد بات حالياً أمام الدولة المصرية والشعب المصري كله ما كنا نحذر منه خلال السنوات الماضية وعلى كل المستويات دون جدوى أو استجابة بل تمادت إلى استمرار الأشخاص المتسببين في ما نعاني منه بمناصبهم الحساسة التي تستنزف مرتباتهم من ميزانية الدولة التي تجمعها من الضرائب والرسوم التي تفرض علينا صباح مساء. وفي مواجهة هذا الإعصار، لم تعد الحلول التقليدية تجدي نفعاً، بل تطلب الأمر تحركاً سيادياً عاجلاً من وزارة الزراعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال الـ 90 يوماً القادمة. وتعتمد خطة الإنقاذ الحالية على عدة مسارات متوازية بعضها قصير الأجل والآخر طويل الأمد. المسار الأول هو التوسع الفوري في زراعة الأعلاف البديلة التي طرحناها سابقاً، كذلك انتاج الأعلاف غير التقليدية عبر تحويل متبقيات المحاصيل الشتوية إلى بدائل علفية، لتقليل الاعتماد على الذرة المستوردة التي باتت رهينة للملاحة الدولية. أما المسار الثاني، فهو تكثيف حملات الرقابة على مخازن الأعلاف وتوفير وصرف حصص النخالة للمربين بانتظام، مع التوسع في توفير تمويلات ميسرة لمشروع البتلو بفوائد لا تتعدى 5% لمساعدة المربين على تحمل صدمة التكاليف الحالية. إن الخلاصة التي تفرضها أحداث الأزمة الحالية نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية هي أن استدامة الثروة الحيوانية في مصر لم تعد ترفاً، بل هي ضرورة أمن قومي تفرضها نيران الحرب الإقليمية. إن النجاح في عبور هذه الأزمة يتوقف على قدرتنا على تحويل المحنة إلى منحة، من خلال تسريع توطين صناعة الأعلاف والاعتماد على الخامات المحلية، مع ضرورة تدخل الدولة لتثبيت أسعار مدخلات الإنتاج الحيواني لفترة مؤقتة. فإذا لم نتحرك بسرعة لحماية رأس المال الحيواني في مصر الآن، فإن فاتورة الاستيراد المستقبلية للحوم ستكون أضعاف ما ندفعه اليوم لإنقاذ المربين، والوقت لا يعمل في صالح من ينتظر هدوء العاصفة بل في صالح من يتعلم كيف يبحر



