د.فوزي ابودنيا يكتب :الحروب والتنمية الزراعية من وجهة إقتصادية

13 مارس، 2026 - بتوقيت 4:10 م
د. فوزى محمد أبودنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا
عندما نقارن فاتورة الحرب بالتنمية الزراعية نجد إن الاستثمار في الزراعة ليس مجرد مشروع بيئي، بل هو استثمار سياسي وعسكري غير مباشر، فالبطن الجائعة لا تبني وطناً مستقراً. في الوقت الذي تنشغل فيه غرف العمليات العسكرية الآن برسم خرائط الصراع في منطقة الشرق الأوسط، يواجه الملايين صراعاً من نوع آخر لا يقل ضراوة عن الصراع في المعارك وهو صراع التنمية الزراعية في ظل ظروف بيئية سيئة من شح المياه الى ظواهر مناخية حادة. لم تعد الحروب تكتفي بهدم الجدران، بل باتت تلتهم التربة والمياه، محولةً مساحات شاسعة من الأراضي الخصيبة إلى صحاري اقتصادية تهدد الأمن القومي العربي في مقتله. في الحقيقة تُعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم عرضة للاضطرابات، وهي في الوقت ذاته من أكثرها تأثراً بتبعات التغير المناخي ونقص المياه. ولك أن تتخيل انه حين تندلع الصراعات، تكون الزراعة هي الضحية الأولى، حيث يتم تدمير البنية التحتية للري، وتلويث التربة بالألغام والمخلفات الكيماوية، والأخطر من ذلك هو نزوح حراس الأرض من المزارعين والخبراء نحو المدن أو خارج الحدود، مما يسبب قطيعة معرفية وإنتاجية يصعب ترميمها. وفي ظل هذا المشهد القاتم، لا تبدو التنمية الزراعية المستدامة مجرد مصطلح أكاديمي، بل هي طوق النجاة الأخير. حيث إن اعتماد تقنيات الري الحديثة، والزراعة الذكية مناخياً، واستخدام البذور المقاومة للجفاف، يمثل خط الدفاع الأول ضد الفقر والجوع. في الواقع تعتبر الاستدامة الزراعية أحد دعائم الحفاظ على الموارد النادرة خاصة في منطقة تعاني من شح مائي حاد، في حين توفر الزراعة المستدامة ما يصل إلى 40% من المياه الضائعة. الى جانب ذلك فان المرونة في وجه الصدمات بتبني الأنظمة الزراعية المتنوعة والمحلية تجعل الدول أقل عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وسلاسل التوريد التي تنقطع فور نشوب أي نزاع. عندما ننظر الى التقارير الدولية نجد أنها تشير إلى أن الاستثمار في الزراعة هو الوسيلة الأكثر فاعلية لمكافحة الفقر في المناطق الريفية بالشرق الأوسط، حيث تعتمد آلاف الأسر على الأرض كمصدر دخل وحيد. حيث إن تحويل الزراعة إلى قطاع جاذب للاستثمار والشباب يعني خلق فرص عمل تحد من هجرة الريف وتقلل من معدلات البطالة التي تغذي بدورها الصراعات. بالإضافة الى تحقيق السيادة الغذائية عن طريق تقليل الاعتماد على الاستيراد، مما يوفر العملة الصعبة ويحمي القرار السياسي. وعلينا جميعا أن نعى إن تأمين رغيف الخبز في الشرق الأوسط يبدأ من تأمين التربة، وحماية المزارع وان هذه الجوانب لا تقل أهمية عن حماية الحدود. إن السلام الحقيقي هو الذي ينمو في الحقول قبل أن يُوقع على الورق، والتنمية المستدامة هي السلاح الوحيد الذي لا يقتل أحداً، بل يحيي الجميع.
هذا كان من ناحية التنمية الزراعية المستدامة فماذا إذا عن الحرب وتكاليفها وأثارها السلبية؟ تلك الأثار التي سنختار منها الجانب الزراعي فقط. لتوضيح ذلك علينا أن نعقد تحليل للمقارنة بين تكلفة المعارك وتكلفة التنمية من منظور الأمن الغذائي. وبالتالي نستطيع أن نقف على تكلفة الهدم مقابل البناء. يكفي أن نعرف تكلفة طائرة واحدة من قاذفات القنابل الحديثة يكفي لتمويل بناء 100 مشروع متكامل للإنتاج الحيواني على سبيل المثال. وان تكلفة صاروخ واحد باليستي أو صاروخ دفاع جوي يكفي لإنشاء عشرة معامل متطورة في مراكز بحثي لخدمة آلاف المربين وتطوير بدائل الأعلاف. وهذا ليس بتقدير جزافي بل بالرجوع الى دراسات اقتصادية لمشاريع الإنتاج مربوطة بأسعار المعدات العسكرية المنشورة في الأعلام العالمي. بالرجوع الى بيانات الولايات المتحدة نفسها أنها أنفقت 11.5 مليار دولار في ستة أيام من الحرب على إيران، فماذا أنفقت إيران أيضا إذا؟. من اجل ذلك فإننا نقولها وبكل ثقة إن الأمن الحقيقي هو الأمن الغذائي، حيث أن المعارك توفر أمناً مؤقتاً قائماً على الردع، لكن التنمية الزراعية توفر أمناً مستداماً قائماً على الشبع والاستقرار الاجتماعي، فعلى سبيل المثال فان أموال التسلح يمكنها بناء محطات تحلية عملاقة وتطوير تقنيات الري بالرش والتنقيط التي ترفع كفاءة استخدام مياه الأنهار والآبار. من ناحية أخرى فان توجيه الدعم للأبحاث يزيد من الإنتاج ويقلل الفجوة الاستيرادية، مما يحمي اقتصاد الدولة من تقلبات الأسعار العالمية. إن سلامة البشر ليس فقط بإيقاف التعدي بالرصاص، بل بحرمانهم من حقهم في الغذاء والتنمية. فالمعارك تترك خلفها دماراً بيئياً ومورفولوجياً يحتاج لعقود لإصلاحه، بينما المشاريع التنموية تترك أصولاً إنتاجية للأجيال القادمة.



