د.فوزي ابو دنيا يكتب: مدى إيجابية الزراعة الكهرو-زراعية على النباتات والتربة لتحقيق اعلى الإنتاجية

21 أبريل، 2026 - بتوقيت 11:27 ص
د. فوزى محمد أبو دنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا
حين نتحدث عن الزراعة الكهربائية (Electroculture) فإننا هنا لا نتبنى التطبيق والاستخدام المباشر والسريع، لان هذه التقنيات بحاجة الى تقييمات صارمة. أننا هنا كي نلقى بحجر في الماء الساكن لتقنيات لها المتخصصين فيها والأقدر على تطويرها وتطويعها والحديث عنها أكثر منى. إن ما دفعني للحديث عن هذه التقنية هو إنني اشعر من خلال خبرتي الزراعية وما يثار عن طبيعة الأراضي الزراعية القديمة وحديثة الاستصلاح والأراضي الهامشية التي تعاني من زيادة في تركيز الأملاح أن هناك ارتباط ما بين التقنية والواقع. ومن هنا لفت نظري أن هذه التقنية قد يكون التركيز عليها وتطويرها وتطويعها بالشكل المناسب الأمن والمنخفض التكاليف وذو التأثير العريض سوف يحقق مكاسب زراعية واعدة وهي وجهة نظر تحتاج الى مزيد من الدراسات واكتساب الخبرات في هذا المجال.
لقد كثر الحديث فى الآونة الأخيرة عن الزراعة الكهربائية (Electroculture) والتي يشار الى أنها تسهم في جعل الجذور أقوى، والنمو أسرع، وتعزيز طبيعي للنباتات دون اللجوء إلى المواد الكيميائية. في الواقع فان الزراعة الكهربائية هي ممارسة استخدام الكهرباء لتحفيز نمو النبات وزيادة الإنتاج الزراعي. هذه التقنية ليست جديدة، فقد تم استكشافها منذ ما يقرب من ثلاثمائة عام، حيث بدأها Jean-Antoine Nollet في القرن الثامن عشر الذي أبلغ عن أن تطبيق التيار الكهربائي يحسن نمو النبات. وفيما يخص آليات العمل العلمية لهذه الطريقة فإنها تعمل من خلال عدة آليات، الأولى التيارات الكهربائية المباشرة، والثانية المجالات الكهرومغناطيسية، وثالثا الكهرباء الجوية (Atmospheric Electricity). وفى هذه الطريقة تستخدم أسلاك نحاسية أو أقطاب معدنية توضع في التربة أو فوق النباتات لتعمل كهوائيات تلتقط الكهرباء الجوية وتنقلها للتربة. ومن نتائج تطبيق هذه التقنية أظهرت الدراسات التي استخدمت فولتيات تتراوح بين 6-1200 فولت نتائج إيجابية، ومعظمها استخدم أكثر من 200 فولت. وفى إحدى الدراسات وجدت أن تطبيق مجال كهربائي بقوة 40,000 فولت حسن من إنتاجية محصول القمح. كذلك فان بعض الدراسات الأخرى وجدت أن تطبيق 6 فولت زاد الكتلة الحيوية من ثمار نباتات الطماطم. بالإضافة الى أن بعض الدراسات أشارت الى إن المجالات الكهربائية النبضية الضعيفة يمكن أن تعزز إنتاج المركبات المضادة للأكسدة مثل فيتامين C في المحاصيل.
ما شدني فعليا اكثر لهذا الموضوع هو اهتمامي بالتطبيقات في الأراضي الملحية والهامشية من اجل إجراء معالجة، حيث تشير بعض تطبيقات واعدة للمجالات الكهروحركية في معالجة التربة المالحة ولكنها تختلف عن الزراعة الكهربائية التقليدية. بعض الدراسات التي أجريت على إزالة الأملاح من التربة وجدت أن تطبيق تيار كهربائي مستمر منخفض الجهد عبر التربة يمكن أن يحرك الجسيمات العالقة والماء والمواد الكيميائية. وتشير النتائج الى أن عملية electrokinetic process استخدمت بنجاح لإزالة الأملاح من تربة الصوبات الزراعية. ومن ناحية أهمية واستخدام هذه التقنية لمعالجة التربة الملوثة أظهرت الدراسات إزالة فعالة للمعادن الثقيلة (Cu, Cd, Pb, Zn, U) بنسبة 5%-92% من التربة بعد المعالجة الكهروحركية. وذكر أن هذه التقنية تعتبر واعدة لاستصلاح الأراضي المتدهورة. من ناحية معالجة المياه المالحة تشير بعض النتائج الى أن المعالجة الكهرومغناطيسية للمياه المالحة يمكن أن تقلل من التأثير السلبي للملوحة على إنبات الذرة ومحصول البطاطس. أما من ناحية التأثير على أنواع المحاصيل المختلفة أظهرت الدراسات أن هناك بعض المحاصيل أكثر استجابة عن غيرها مثل الطماطم التي اظهر استخدام هذه التقنية مع هذا المحصول زيادة في المحصول بنسبة 20%. وكانت الاستجابة إيجابية لتطبيق 6 فولت. بينما استخدام هذه التقنية مع الفراولة أدى الى إنتاج ثمار أكثر حلاوة وعصارة. وفى الخضروات الورقية أشارت الى عدم وجود تحسن في نمو الخردل والكرنب. بينما في الخضروات الجذرية كانت النتائج متضاربة، حيث وجد بعض التحسن في البنجر واللفت لكن غير متسق. وفى الدراسات التي أجريت على محاصيل الحبوب وجد حدوث زيادة في محصول القمح مع مجالات كهربائية عالية (40,000 فولت). بينما في الشوفان والشعير حدثت زيادة توصلت إلى 22%.
من الجوانب الهامة التي اهتم بها في هذا الشأن هو التطبيق على أشجار الفاكهة حيث تشير الدراسات الى نتائج أولية واعدة لكن تحتاج لمزيد من البحث العلمي المحكم. حيث أظهرت النتائج المتاحة على أشجار الكمثرى نمواً ملحوظاً باستخدام تقنيات الزراعة الكهربائية. وفى العنب (Viticulture) أظهرت أبحاث حديثة حول تطبيقات الزراعة الكهربائية في الكروم وجود نتائج إيجابية في الإنتاج والجودة. كما أشير لها على أنها تعتبر ممارسة مستدامة من حيث البصمة الكربونية خاصة مع استخدام الطاقة الكهربائية من الألواح الشمسية.
على الرغم من ذلك فان هناك مخاطر وقيود محتملة والتي تتمثل في التيار الكهربائي العالي والذي يمكن أن يمثل خطورة على العاملين ويتطلب احتياطات أمان. الأمر الأخر بالنسبة لبعض المعادن مثل النحاس الزائد الذي يغرس في التربة فانه عند التركيزات العالية، يصبح ساماً للنبات ويثبط التمثيل الضوئي. بجانب ذلك هناك تخوف من استهلاك الموارد والذي يتمثل في إنتاج وشراء منتجات الزراعة الكهربائية السلبية قد يهدر الموارد المالية والطبيعية دون فائدة مثبتة. بالإضافة الى بعض القيود التقنية مثل الجهد الكهربائي المطلوب من الفولتيات اللازمة لتحسين المحصول (200-40,000 فولت) تتجاوز بكثير ما تنتجه الأسلاك النحاسية السلبية (2-20 مللي فولت). ليس هذا فحسب بل هناك أيضا تخوف من التكلفة الاقتصادية، حيث أن الجدوى الاقتصادية للتطبيقات الحالية محدودة وتقتصر على الحدائق الحضرية الصغيرة.
ما هي الجدوى الاقتصادية لمثل هذه التقنية؟
أولا: التكاليف والفوائد
هناك جانبين في هذا الشأن، جانب سلبي ويتمثل في نتائج دراسة أجريت على هذه التقنية توصي بعدم إنتاج أو شراء منتجات الزراعة الكهربائية السلبية (أسلاك نحاسية) لأنها تهدر الموارد المالية والطبيعية دون عائد مثبت. الجانب الأخر جانب إيجابي يتمثل في أن التربة الفقيرة بالنحاس، التسميد النحاسي (5 كجم/هكتار) حسن محاصيل فول الصويا في الهند. بينما وجد أن إضافة 0.25 كجم/هكتار من النحاس حسن محصول القمح في بولندا.
ثانيا: الاستدامة
قد تعتبر الزراعة الكهربائية النشطة (باستخدام ألواح شمسية صغيرة) مجدية في مناطق الزراعة الحضرية لتحسين الأمن الغذائي. حيث تعتبر ممارسة مستدامة من حيث تقليل البصمة الكربونية عند استخدامها بشكل صحيح. ويمكن الإشارة في الواقع الى عدة محاور خاصة بالاستدامة والاستمرارية والتي قد تسهم في التطور الزراعي طبقا للإمكانيات المستقبلية.
1. الزراعة الكهربائية النشطة: وتتمثل في استخدام ألواح شمسية لتطبيق تيار كهربائي مستمر ومنخفض على التربة أو أسطح النباتات. قد توفر دفعة في الأمن الغذائي في المناطق الحضرية.
2. المعالجة الكهروحركية: والتي تختص بالتطبيقات الواعدة في استصلاح الأراضي المالحة والمتدهورة. لما لهذه التقنية من أثار فعالة في إزالة المعادن الثقيلة والملوثات.
3. الزراعة الكهرو-زراعية (Electro-agriculture): تقنية ثورية تعتمد على ثاني أكسيد الكربون والكهرباء المتجددة لزراعة المحاصيل بشكل غيري التغذية (heterotrophic).
كيفية الاستفادة من هذه التقنيات في الزراعة على نطاق واسع
في الواقع هذا الجانب هو ما شدني الى هذه التقنيات في البداية وكل منها يختلف عن الأخر في التأثير والمردود. فمثلا بالنسبة لتقنية الزراعة الكهربائية السلبية (أسلاك نحاسية) وهي تقنية غير موصى بها حيث لا توجد أدلة علمية على فعاليتها. بينما تقنية المعالجة الكهروحركية للتربة وهي من التقنيات التي لها بعض المريدين الذين يوصون بها خاصة للأراضي المالحة والملوثة حيث يذكر أن لها أساس علمي قوي في هذا الشأن. في حين أن الزراعة الكهربائية النشطة: وهذه التقنية أشار الباحثين الى أنها تحتاج لمزيد من البحث رغم انه من التقنيات الواعدة إلا أنها تحتاج دراسات جدوى اقتصادية.
الزراعة الكهرو-حركية بالنسبة للأراضي حديثة الاستصلاح والهامشية
هناك نظرة ما لاستخدام المعالجة الكهروحركية لتحسين خصائص التربة وإزالة الأملاح. عن طريق تطبيق تيار مستمر منخفض الجهد عبر أقطاب في التربة. الزراعة الكهربائية كمفهوم عام لها إمكانيات، هذه المنهجية فعالة في المعالجة الكهروحركية للتربة المالحة والملوثة، والتطبيقات النشطة بجهود كهربائية عالية (200+ فولت)، كما أن هذا التطبيق ينجح مع بعض المحاصيل المحددة (طماطم، فراولة، حبوب). إلا أن هذا التطبيق غير فعال في الزراعة الكهربائية السلبية (أسلاك نحاسية) – لا فائدة مثبتة، أيضا التطبيق الواسع النطاق بدون دراسات جدوى، وأيضا الاعتماد عليها كحل سحري دون ممارسات زراعية جيدة.
العوائق والتحديات التي تواجه الزراعة الكهرو-زراعية
هناك جملة من العوائق والتحديات التي تواجه الزراعة الكهرو-زراعية مثل الحاجة لمزيد من الأبحاث لتحديد عتبات الجهد الكهربائي المطلوبة لتحسين المحصول. كذلك التكلفة الاقتصادية تحد من التطبيقات الواسعة النطاق. وأيضا عدم وجود أدلة علمية قوية على فعالية الطرق السلبية الشائعة. لذا فان هذه التقنية في الواقع بحاجة الى مزيد من البحث خاصة في العتبات المثلى للجهد الكهربائي، وكذا الجدوى الاقتصادية للتطبيقات النشطة، وأيضا التأثير طويل الأمد على صحة التربة والبيئة.
في نهاية المطاف يمكننا من الاستعراض السابق الولوج الى ان الزراعة الكهربائية ليست حلاً سحرياً، لكن التطبيقات العلمية المدروسة (مثل المعالجة الكهروحركية) قد تكون أدوات مفيدة في استصلاح الأراضي الهامشية، بينما الطرق الشعبية السلبية لا تدعمها الأدلة العلمية.



