د .نسرين محمد السعيد تكتب : “حكمة التراث الغذائي للحضارات القديمة: بين القدسية والاستدامة العصرية لخدمة للمجتمع”.

9 يونيو، 2026 - بتوقيت 11:51 ص

الدكتورة نسرين محمد السعيد على شام رئيس بحوث الكيمياء الحيوية والتغذية والتصنيع الغذائي المتفرغ بمركز البحوث الزراعية

 

 

كان الطعام والغذاء في الحضارات القديمة يُدار باعتباره منظومة حياتية متكاملة معتمدا على التنوع فى مصادره لا مجرد وسيلة لإشباع الجوع أو مجرد رفاهية، بل ارتبط بالإنتاج الزراعي المحلي، والتخزين الآمن، والتوازن الغذائي، والمواسم، والنشاط البدني، والصحة، والعلاج من الموارد الطبيعة المحيطة بالانسان ، مع احترام العادات الغذائية.

> “إن التراث الغذائي للحضارات القديمة كان يقوم على إدارة الغذاء من الحقل إلى الصحة، في منظومة متوازنة تجمع بين الأمن الغذائي والتغذية السليمة والاستدامة البيئية ودعم قدرة الجسم الطبيعية على الحفاظ على صحته فكان الفائض عن حاجته مع تقليل الفاقد منه يحفظ فى صورة تجفيف وتخمير وتخزين جيد ومحكم ……

كما انه بالمفهوم العصرى عندما يتكامل علم الأنثروبولوجيا الغذائية مع علوم الغذاء والتغذية وعلم التشريح وعلوم الكيمياء الحيوية وعلم الفسيولوجي وعلم تداخل الغذاء مع الدواء، فإن الغذاء يتحول من مجرد مصدر للطاقة إلى أداة بيولوجية متكاملة تدعم وظائف الجسم الطبيعية، بل من خلال هذا التكامل العلمي يمكن بناء نماذج غذائية مستدامة تُعزز المناعة، وتحافظ على الاتزان الحيوي، وتدعم آليات الإصلاح والتجدد الذاتي للخلايا والأنسجة ( الاستشفاء الذاتى) ، بما يسهم في تعزيز الصحة وتحفيز قدرات الجسم الطبيعية على التعافي والشفاء” ولا يستخدم الدواء إلا عند اللزوم ( مكوناته المصنعة) وفى أضيق الحدود تحت استشارة طبيب مختص، وبهذه الرؤية تتوافق مع الاتجاهات الحديثة في التغذية الوظيفية والطب الوقائي ( التغذية العلاجية) ، فتصبح أساسًا نظريًا لمناقشة العلاقة بين التراث الغذائي للحضارات القديمة والاستدامة الصحية المعاصرة.

فعندما تُدرس الأنثروبولوجيا الغذائية جنبًا إلى جنب مع علوم الغذاء الحديثة، سيتكون إطار علمي متكامل يمكن أن يفسر كيف تسهم أنماط الغذاء السليمة في دعم قدرة الجسم الطبيعية على الحفاظ على الصحة والتعافي مما يجعلها تحقق الاستدامة الخضراء والاقتصاد المستدام الاخضر للمجتمع.

وهذه الفلسفة تقترب كثيرًا مما تسعى إليه اليوم مفاهيم التغذية المستدامة والطب الوقائي، ولكن بصياغة علمية حديثة تستند إلى علوم الغذاء والتغذية والكيمياء الحيوية والفسيولوجيا والأنثروبولوجيا الغذائية.