د.محمود ابراهيم يكتب : الجبن المعدل إنزيمياً: البديل الطبيعي و الآمن لمواد النكهة المصنعة

22 يناير، 2026 - بتوقيت 10:45 ص
د. محمود إبراهيم السيد -مركز البحوث الزراعية – معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية- قسم بحوث تكنولوجيا الألبان
يعتبر الجبن من أكثر منتجات الألبان تنوعاً وإنتشاراً حول العالم. وطبقا للعديد من المصادر العلمية فقد عرف الإنسان صناعة الجبن منذ أكثر من 5000 عام. وتقدر أصناف الجبن المعروفة والموثقة عالميا بما يزيد عن 1000 صنف. وعلي الرغم من أن الجبن يستهلك كمكون أساسي في العديد من الأنظمة الغذائية، إلا أن أهم عامل جذب للمستهلكين لكل نوع من أنواع الجبن هو نكهته المميزة. وتتنوع نكهات الجبن وقوتها بين الأنواع المختلفة، إذ يتميز كل نوع من الجبن بنكهة خاصة حسب نوع اللبن المستخدمة سواء كان مثلاً لبن أبقار، أو جاموس، أو ماعز، أوغنم ، وطريقة الصناعة، و الإنضاج أو التسوية Ripening، وغيرها. وترجع نكهة الجبن إلي تفاعل العديد من المركبات الطيارة وغير الطيارة الموجودة في اللبن الخام، علاوة علي نواتج تحلل البروتين، والدهن، والكربوهيدرات خلال عملية تسوية الجبن. وتتباين مدي نواتج هذه التفاعلات الكيميائية والكيموحيوية ما بين أصناف الجبن المختلفة، مما يترتب عليه تنوع كبير في نكهات الجبن ومدي قوة كل نكهة منها. ويرغب المستهلكون في إضافة الأجبان المسواة ذات النكهات القوية إلي العديد من الأطعمة لإضفاء نكهة مميزة عليها مما يمنحها قبولاً وإستحساناً من المستهلكين. ولكن هذه الخطوة تواجه الكثير من الصعوبات والتحديات منها أن خصائص النكهة قد تكون غير قياسية في بعض الأحيان، أو منعدمة في أحيانٍ أخري بسبب خلل في طريقة الإنتاج أو عدم ملائمة ظروف التسوية، أو إرتفاع مستوي اللاكتوز في المنتج النهائي، علاوة علي إرتفاع تكلفة إستخدام الجبن المسوي عالي الجودة، بالإضافة إلي إحتمالية ظهور مشكلات حسية في المنتج النهائي بسبب إنخفاض ذوبان بعض مكونات الجبن مما يسبب عيوب في المنتج الغذائي المضاف إليه. وقد أدت هذه المعوقات وخاصة إرتفاع تكلفة إضافة الجبن الطبيعي المسوي إلي الأغذية إلي إتجاه العديد من المصنعين إلي إنتاج وإستخدام نكهات صناعية مشابهة لنكهات الجبن الطبيعي. إلا أن المحاذير الصادرة عن العديد من الجهات المعنية بصحة وسلامة الإنسان، ومخاوف المستهلكين المتزايدة تجاه المركبات المخلقة صناعياً وكل ما قد يضر بصحتهم، قد دفع العديد من المنظمات والهيئات الدولية إلي إتخاذ إجراءات حاسمة وصارمة حول ضوابط وطرق إستخدام المنكهات الصناعية في الأغذية. وقد أدت كل هذه العوامل إلي حث العلماء والباحثين علي التفكير في بديل طبيعي وإقتصادي للجبن المسوي، بحيث يمكن إستخدامه كمنكه في صناعة الأغذية دون الحاجة إلي إستخدام المنكهات الصناعية المخلقة. وقد أثمرت هذه الجهود في إنتاج الجبن المعدل إنزيمياَ “Enzyme-Modified Cheese”، والذي يعد حلاً تكنولوجياً مبتكراَ يسهم في تجاوز العديد من التحديات التقليدية المرتبطة بعملية تصنيع وتسوية الأجبان المختلفة.
فما هو الجبن المعدل إنزيمياً؟
الجبن المعدل إنزيمياً هو مكون طبيعي ينتج من خثرة الجبن الطازجة أو الجبن الطبيعي غير المسوي للحصول علي نكهة جبن مكثفة وقوية في وقت قصير جداً مقارنة بالوقت اللازم لإنتاج الجبن الطبيعي المسوي. ويتم إنتاج الجبن المعدل إنزيمياَ بإستخدام أنواع محددة من الإنزيمات في ظروف متحكم بها. ويمكن أن نقول أن هذه العملية هي أحد أشكال إسراع تسوية الجبن الطبيعي. وينتج عن هذه العملية منتجات ذات نكهة مشابهة للجبن الطبيعي ولكنها أكثر كثافة وقوة، حيث تصل قوة نكهة الجبن المعدل إنزيمياً 15-30 ضعف مشابهاتها في الجبن الطبيعي وذلك خلال فترة قصيرة جداً (1-7 أيام) مقارنة بمدة تسوية الجبن الطبيعي والتي تصل إلي 3-12 شهر أو أكثر. ولا يعتبر هذا النوع بديلاً للجبن الطبيعي في الإستهلاك العادي، ولكنه يستخدم كمنكه ومحسن لقوام الأطعمة المختلفة.
كيف يتم إنتاج الجبن المعدل إنزيمياً؟
كما ذكرنا من قبل فإن الجبن المعدل إنزيمياً يتم إنتاجه بإستخدام عدداً من الإنزيمات المحللة للبروتينات “بروتيناز” والمحللة للدهون “ليباز” ، خلال عملية محددة ومنظمة ومتحكم فيها بدقة وعناية من أجل إسراع عملية التسوية وإنتاج النكهة المميزة للجبن في وقت قياسي، مع ثبات هذه النكهات بنفس القوة والجودة طوال العام. وفيما يلي خطوات إنتاج الجبن المعدل إنزيمياً بصورة مختصرة ومبسطة:
إعداد مستحلب الجبن ( إستحلاب المادة الفعالة)
وتهدف هذه الخطوة إلى تحويل خثرة الجبن الطازج أو الجبن غير المسوي إلي عجينة شبه سائلة أو مستحلب متجانس، والذي يسمح بالتوزيع المتجانس والفعال للإنزيمات المحللة للبروتين والدهن في جميع أجزاء الخثرة. وتتضمن هذه العملية إضافة أملاح الإستحلاب والقليل من الماء إلي الجبن أو الخثرة المفرومة مسبقاً، ثم التقليب والخلط المتواصل حتي الوصول إلي القوام المتجانس المطلوب.
بسترة المستحلب (العجين) الناتج: و الهدف من هذا الإجراء هو القضاء علي أي تواجد للبكتيريا الممرضة أو المتلفة، وكذلك تحسين التجانس في المستحلب الناتج .
إضافة الإنزيمات المحللة: حيث يعتمد تكوين النكهة في الجبن المعدل إنزيمياً الناتج علي نوع وتركيب المادة الخام، ونوع وتركيز الإنزيمات المستخدمة، وظروف التحضين مثل الوقت ودرجة الحرارة والتقليب وقيمة التحضين.
بسترة الخليط المتحلل: حيث يجري بسترة العجينة المتحللة لإيقاف نشاط الإنزيمات المحللة للبروتين أو للدهن.
تجنيس المعلق الناتج وذلك لضمان تجانسه في جميع صفاته، وعدم وجود أي تكتلات فيه والتي قد تسبب عيوب في المنتج النهائي.
التجفيف والتعبئة: يتم تجفيف المنتج النهائي، ثم تعبئته في عبوات محكمه وغير منفذه للرطوبة، والأكسجين، والضوء.
ما هي مميزات الجبن المعدل إنزيمياً؟
نكهة قوية بتكلفة منخفضة مما يقلل الحاجة إلي إستخدام الأجبان المسواه باهظة الثمن كمواد نكهة في الأغذية المختلفة.
نظرا لقوة وكثافة نكهة الجبن المعدل إنزيمياً فإننا نحتاج إلي كمية قليلة جداً منها للحصول علي النكهة المطلوبة في الأغذية المختلفة مقارنة بالجبن الطبيعي المسوي.
الإنتشار المتجانس داخل الأطعمة مما يعطي طعم قوي ومتجانس في جميع أجزاء المنتج النهائي.
توحيد صفات ونكهة المنتجات طوال العام مما يحسن الجودة ويزيد من ثقة المستهلك في المنتجات.
في طريقة تصنيع الجبن المعدل إنزيمياً يمكن إعادة تدوير بقايا تصنيع أنواع الجبن المختلفة، وكذلك الجبن غير المغلف جيدا خلال التصنيع، مما يؤدي إلي تقليل الفاقد وتحويل خامات منخفضة الجودة أو فائض الإنتاج إلى منتجات عالية القيمة التسويقية، مما يعتبر قيمة مضافة لصناعة الألبان.
إنخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بالجبن المسواة من حيث عدم الحاجة لأماكن التسوية والتخزين، توفير الطاقة.
سرعة دوران رأس المال مما يترتب عليه زيادة في الأرباح و قيمة مضافة للإقتصاد القومي.
أهم إستخدامات الجبن المعدل إنزيمياً
تستخدم الجبن المعدل إنزيميا ( في شكل بودر) كمادة منكهة في مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية مثل الشوربات، تتبيلات السلطات، الصلصات، المقبلات، الحشوات المختلفة، الفطائر، الوجبات الخفيفة، رقائق البطاطس (الشيبس)، المقرمشات، البسكويت، منتجات المكرونة، مخاليط الكيك، المعجنات، الحلويات، الأطعمة المجمدة، الجبن الكريمي، مشابهات الجبن ، وغيرها.
وختاما يمكن إعتبار صناعة الجبن المُعدَّل إنزيميًا نقلة نوعية في تكنولوجيا صناعة الألبان، حيث تقوم بالجمع ما بين الكفاءة التكنولوجية والجودة العالية من جهة، والعائد الاقتصادي المرتفع من جهة أخري. وهذه النتيجة يمكن أن تسهم بشكل فعّال في تطوير صناعة الألبان بشكل عام وصناعة الجبن بشكل خاص، وخاصة في العديد من الدول النامية التي تواجه تحديات كبيرة سواء في تكاليف إنتاج وتسوية الجبن أو جودة المنتجات النهائية. كما تعتبر بداية مرحلة جديدة تسهم في التخلص من المواد المنكهة المخلقة صناعياً وتزيد من الفوائد الصحية والتغذوية للمنتجات.



