د. مها ابراهيم تكتب : “الكاسافا.. الغذاء المستقبلي الواعد

26 يناير، 2026 - بتوقيت 3:26 م
د. مها إبراهيم كمال على- مركز لبحوث الزراعية – معهد بحوث تكنولوجيا الاغذية
تعد الكاسافا (Manihot esculenta Crantz) محصولًا غذائيًا أساسيًا يتحمل الجفاف، ويُزرع على نطاق واسع في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، حيث يعاني السكان من سوء التغذية. وبفضل قدرتها على التأقلم مع الظروف البيئية القاسية وإنتاجها المعقول على التربة الهامشية، تُعتبر الكاسافا مصدرًا غذائيًا واعدًا للدول النامية. من الناحية النباتية، الكاسافا شجيرة خشبية معمرة تُزرع عادة كمحصول سنوي من أجل جذورها الصالحة للأكل والغنية بالنشا. ترتبط الكاسافا بشكل وثيق بالزراعة الإفريقية. ومن أبرز خصائصها قدرتها على الحفاظ على القيمة الغذائية للجذور الناضجة لفترات طويلة في ظل الجفاف، مما يجعلها محصولًا استراتيجيًا لتحقيق الأمن الغذائي في المناطق الضعيفةوبالتالى أصبح الآن غذاء أساسي في العديد من الدول الإفريقية وتُقدر لمحتواها العالي من الكربوهيدرات، إضافةً إلى توفيرها للكالسيوم والفيتامينات B وC والمعادن الأساسية.
القيمة الغذائية والصحية للكاسافا
تختلف القيمة الغذائية للكاسافا حسب الصنف، وعمر النبات عند الحصاد، وخصوبة التربة، والظروف المناخية. لذلك، الهدف الرئيسي من هذا العرض هو استعراض القيمة الغذائية للكاسافا ومناقشة استراتيجيات تحسين محتواها الغذائي من خلال التدعيم الحيوي.
من الناحية الغذائية، تعد الجذور الجزء الأساسي الصالح للأكل، وتمثل حوالي 50% من وزن النبات الناضج، بينما تشكل الأوراق حوالي 6%. ويتكون الجزء النشوي من 80–90% من وزن الجذر الطازج، مع احتواء كبير على الماء بنسبة تتراوح بين 60% و87%. يحتوي دقيق الكاسافا عادةً على 9–16% رطوبة، ويعد الحفاظ على مستويات منخفضة للرطوبة أمرًا مهمًا لإطالة العمر التخزيني ومنع نمو الميكروبات. بالرغم من أن الكاسافا غذاء غني بالكربوهيدرات، إلا أن محتواها البروتيني منخفض نسبيًا مقارنة بالذرة والسورجم. ومع ذلك، تنتج الكاسافا كمية أكبر من الكربوهيدرات لكل وحدة مساحة مقارنة بالعديد من المحاصيل الأساسية الأخرى في نفس الظروف المناخية، مما يعزز دورها كمحصول أساسي للأمن الغذائي.
الكاسافا غني بالنشا، الذي يوفر مصدر طاقة مستدام وسهل الهضم، وهو مثالي لكبار السن الذين يحتاجون إلى أطعمة مغذية وخفيفة على المعدة. كما تحتوي جذورها على:
الألياف الغذائية: تحافظ على حركة الأمعاء منتظمة وتخفف من الإمساك.
الفيتامينات: مثل فيتامين C الذي يقوي المناعة ويحمي الخلايا من الضرر التأكسدي.
المعادن: كالكالسيوم، البوتاسيوم، والمغنيسيوم، والتي تساهم في صحة العظام والعضلات، وهو أمر بالغ الأهمية لكبار السن.
البروتينات النباتية: خاصة في الأوراق، التي يمكن استخدامها كخضار غني بالبروتين للوجبات اليومية.
الفلافونويدات والبوليفينولات: سلاح الكاسافا ضد تقدم العمر
لا يقتصر دور الكاسافا على التغذية فقط، فهي غنية بالفلافونويدات والبوليفينولات، وهي مضادات أكسدة قوية تساعد في:
محاربة الالتهابات: تخفف من آلام المفاصل وتحافظ على صحة القلب.
حماية الخلايا من الأضرار التأكسدية: مما يقلل من مخاطر الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر.
دعم جهاز المناعة: يعزز مقاومة الجسم للأمراض الموسمية.
الكاسافا وصحة كبار السن
بالنسبة لكبار السن، الكاسافا يمثل خيارًا مثاليًا لأنه يجمع بين سهولة الهضم، الطاقة المستدامة، والألياف التي تحافظ على صحة الجهاز الهضمي. كما أن مضادات الأكسدة الموجودة فيه تعمل على تقليل الالتهابات المزمنة وحماية القلب والعظام، وهما مصدران رئيسيان للقلق الصحي مع تقدم العمر.
التطبيقات الغذائية للكاسافا: النشا وفوائدها المتعددة
الكاسافا ليست مجرد مصدر للطاقة، بل هي منجم طبيعى من النشا الذي يضفي مرونة استثنائية على الأغذية، ويتيح ابتكار منتجات صحية ولذيذة في الوقت نفسه. النشا المستخرج من جذور الكاسافا يمتاز بقدرة عالية على امتصاص الماء، مما يساهم في تكوين القوام المرغوب ويعزز ثبات وملمس المنتجات الغذائية، ويجعلها مناسبة للتطبيقات المتنوعة في الصناعات الغذائية.الخبز والمعجنات . حيث أشارت الدراسات السابقة أن نشا جذور الكاسافا هو المكون الأساسي الذي يشكل حوالي 80% من الوزن الجاف للجذر. كيميائيًا، يتكون النشا من سلاسل طويلة من الجلوكوز مرتبة في نوعين رئيسيين: الأميلوز والأميلوبكتين، ولكل منهما دور محدد في الخصائص الوظيفية للنشا:
الأميلوز:
يساهم في تكوين هياكل مستقرة وقوية عند التبريد أو الخبز.
يقلل من سرعة هضم النشا نسبيًا، مما يساعد على تحسين مؤشر السكر في الدم، وهو أمر مهم لكبار السن والمرضى المصابين بالسكري.
الأميلوبكتين:
يمنح النشا قوامًا لزجًا ومرنًا بعد الطهي، مما يجعل المخبوزات والمعجنات والمكرونة المصنوعة من الكاسافا متماسكة وناعمة.
يزيد من قدرة النشا على احتفاظ الماء والزيوت، محسنًا بذلك ملمس ونكهة المنتجات الغذائية.
الخصائص الفيزيائية والوظيفية للنشا
أظهرت الدراسات الحديثة فى ذلك الصدد أن الصنف الجيني للكاسافا يؤثر بشكل كبير على الخصائص الوظيفية للنشا، بما في ذلك:
الامتصاص المائي والدهني: يؤثر على قوام العصيدة والخبز.
الانحلالية: تحدد سرعة امتصاص الجسم للطاقة أثناء الهضم.
قدرة الانتفاخ: مسؤولة عن سمك العصيدة والقوام النهائي للصلصات والحلويات.
الكثافة الحجمية: تؤثر على التعبئة، التخزين، واستقرار المنتجات الغذائية.
النشا كعامل صحي وغذائي
نشا الكاسافا لا يوفر الطاقة فقط، بل يعمل بتكامل مع المكونات الأخرى للجذر لتعزيز الصحة، خاصة لكبار السن:
مصدر طاقة مستدام وسهل الهضم، مثالي لكبار السن والأشخاص ذوي الجهاز الهضمى الحساس.
يتعاون مع الألياف الغذائية لتنظيم حركة الأمعاء وتخفيف الإمساك.
عند دمجه مع أوراق الكاسافا وبروتيناته، يضيف مضادات أكسدة طبيعية مثل الفلافونويدات والبوليفينولات، التي تساهم في حماية القلب وتقليل الالتهابات المرتبطة بالشيخوخة.
التطبيقات الغذائية للنشا
تعددت استخدامات نشا الكاسافا في الصناعات الغذائية نظرًا لخصائصه الفريدة:
المخبوزات والبسكويت: يحافظ على القوام والمرونة، حتى عند استبدال جزء من الدقيق بحبوب أو مكونات أخرى.
أطعمة منخفضة الجلوتين: يستخدم في صناعة الكاسترد، البودينج، والفطائر الخالية من الجلوتين، مع الحفاظ على الملمس المثالي.
الصلصات والمعلبات: يحافظ على اللزوجة ويمنع الانفصال أثناء الطهي أو التخزين.
الأغذية المبتكرة لكبار السن والأطفال: يمكن تعديل النشا كيميائيًا أو فيزيائيًا لتعزيز خصائصه، مع الحفاظ على قيمته الغذائية، مما يجعله مكونًا مثاليًا للأغذية الوظيفية.
الأطعمة الغنية بالبروتين والفلافونويدات . حيث يتم دمج أوراق الكاسافا المجففة والمطحونة مع النشا في وجبات غذائية يزيد من محتوى البروتين والمعادن والفلافونويدات، وبالتالي تعزيز المناعة، وتقليل الالتهابات المزمنة وحماية القلب.
المعالجة الصناعية للنشا
النشا من الكاسافا يمكن تعديله كيميائياً أو فيزيائياً ليصبح أكثر قدرة على الاحتفاظ بالرطوبة، تحسين اللزوجة، أو زيادة التماسك في الصلصات والحلويات. هذا يفتح أبواباً واسعة لتطوير منتجات غذائية مبتكرة ومتنوعة تلبي متطلبات الأسواق الحديثة.
الكاسافا ليس مجرد مصدر للطاقة، بل هو نبات متعدد الأدوار يجمع بين التغذية والوظائف الصحية والابتكار الغذائي. جذوره الغنية بالنشا توفر طاقة مستدامة وسهلة الهضم، وأليافه تدعم صحة الجهاز الهضمي، بينما تضيف أوراقه البروتينية ومضادات الأكسدة الطبيعية مثل الفلافونويدات والبوليفينولات حماية ضد الالتهابات والأمراض المزمنة، خاصة لدى كبار السن.
التطبيقات المتنوعة لنشا الكاسافا في المخبوزات، الأطعمة منخفضة الجلوتين، الصلصات، وحتى الأغذية الوظيفية للأطفال وكبار السن، تجعل منه مكونًا أساسيًا في صناعة أغذية المستقبل. إن فهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية للنشا واختيار الأصناف الجينية المناسبة يعزز من الاستفادة الكاملة من هذا المورد الطبيعي، مما يفتح أبوابًا جديدة لتحسين القيمة الغذائية، الصحة العامة، وفرص الابتكار الصناعي.
باختصار، الكاسافا يمثل جسرًا بين التغذية التقليدية والابتكار الغذائي الحديث، مما يجعله محورًا مهمًا لكل من الباحثين، الصناعيين، والمستهلكين الذين يسعون لصحة أفضل وجودة حياة أعلى.



