د.فوزي ابودنيا يكتب : التحول في هيكلة وإدارة الجمعيات التعاونية الزراعية لخدمة الزراعة وتحقيق الاستدامة في الريف المصري

3 فبراير، 2026 - بتوقيت 12:41 م

د. فوزي محمد أبودنيا- مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا

 

 

تتطور الحياة حولنا ونحن محلك سر، لا نتحرك قيد أنملة للتطوير والتوجه نحو الازدهار، وكأننا كتب علينا أن نعيش متفرجين على التطور والتحول من حولنا وعبثا نوأد كل كفاءة وكل فكرة صالحة. ومن الأمور التي لا يختلف عليها اثنين في زمننا هذا في مجال الزراعة المصرية هو انحدار وانهيار أداء الجمعيات الزراعية التي ظلت منذ إنشائها مجرد منافذ لتوزيع الأسمدة. والواقع الدولي والمحلى يشير إلينا وبشدة الى انه لتحويل الجمعيات التعاونية الزراعية من مجرد “منافذ لتوزيع الأسمدة” إلى “كيانات اقتصادية رقمية” قادرة على إدارة الحيازات المجمعة والتأمين الزراعي، نحتاج إلى تطبيق نموذج “الجمعية الذكية” Smart Cooperative. وسوف نستعرض فيما يلي تحليل يمثل رؤية يمكن الاستفادة منها والبناء عليها لخطوات إعادة الهيكلة التشريعية والإدارية للجمعيات التعاونية الزراعية في مصر، وهذه الرؤية ليست ملزمة كون أنها حجر نلقيه في المياه الراكدة لعل وعسى تنالها عين الاهتمام وإعادة النظر في تلك الجمعيات التي إن نجحت ستكون عصب الحياة الزراعية في مصر والتحول الزراعي نحو إصلاح حقيقي ننتظره من سنين طال انتظارنا فيها للإصلاح.

 

أولا: التحول من الإدارة الحكومية للتعاونيات إلى الإدارة الاحترافية

تتجلى المشكلة الحالية في التعاونيات الزراعية لكل الجمعيات أنها تدار بواسطة موظفين حكوميين أو مجالس إدارات تعتمد على العرف، وتفتقر للفكر الاستثماري. وبالتالي فان أولى خطوات التطوير المقترح تكمن في الاستعانة بالمدير التنفيذي المحترف، ويتحقق ذلك عن طريق إلزام كل جمعية بتعيين مدير تنفيذي (CEO) ذو خلفية اقتصادية أو زراعية متطورة، بعيداً عن نظام الانتخابات التقليدي، ليكون مسؤولاً عن تعظيم أرباح المساهمين (المزارعين). والأمر الثاني هو أن يبقى مجلس الإدارة المنتخب دوره رقابياً وتشريعياً فقط، بينما تترك الإدارة الفنية للمتخصصين.

 

ثانيا: جعل الجمعية كمنصة بيانات عن طريق رقمنة الأصول والخدمات

لا يمكن إدارة تجميع الحيازات أو التأمين دون توفر قاعدة بيانات ديناميكية. ويتأتى ذلك من خلال السجل الرقمي للأراضي وذلك عن طريق تحويل سجلات الحيازة الورقية إلى خرائط رقمية (GIS) توضح نوع التربة، المحصول الحالي، والحالة الصحية للنبات لكل متر مربع في زمام الجمعية. الجانب الأخر في هذا الشأن يكمن في وضع نظام تتبع Traceability صارم بحيث تصبح الجمعية هي الضامن لجودة المنتج أمام المصدرين والمصانع، من خلال تسجيل كل المدخلات (بذور، مبيدات) التي استخدمها المزارع رقمياً.

 

ثالثا: تفعيل دور الجمعية كوكيل تأمين على المحاصيل وتعاقد على مستلزمات الإنتاج والتسويق

يجد المزارع دوما نفسه وحيدا أمام جلب مستلزمات الإنتاج أو تسويق محصوله ومنتجاته، وبدلاً من بحث كل مزارع عن شركة تأمين أو مشترٍ لمحصوله، تقوم الجمعية بهذا الدور في إطار كتلة تفاوضية. على الجانب الأخر يجب أن يكون هناك صندوق للتامين الزراعي تحرص الدولة ممثلة في المؤسسة الزراعية على خلقه وتفعيله وإبراز دوره في التأمين الجماعي على الزراعات للمزارعين، وهنا يكمن دور الجمعية في التفاوض مع صندوق التأمين الزراعي لتغطية زمامها بالكامل، مما يقلل تكلفة القسط التأميني نتيجة قوة العدد. بالإضافة الى إنشاء مراكز تجميع وتسويق، حيث تتحول الجمعية إلى مركز فرز وتعبئة متطور، لرفع القيمة المضافة للمحصول بدلاً من بيعه خاماً بأسعار زهيدة.

 

رابعا: تفعيل سلاسل القيمة من خلال إعادة هيكلة الوظائف الاقتصادية

في إطار تطوير الجمعيات الزراعية لتلعب دور اقتصادي محوري يجب أن تتوسع في أنشطة تتجاوز مجرد البيع والشراء، بان يكون هناك دور للجمعية في وحدة الميكنة المشتركة بحيث تمتلك الجمعية “أسطولاً” من المعدات الثقيلة (حصادات، درونز للرش، محاريث ليزر) يتم تأجيرها للمزارعين بأسعار التكلفة، مما يحل مشكلة عجز العمالة وارتفاع تكلفتها. ويمكن للجمعيات الزراعية عمل شراكة مع القطاع الخاص في هذا الشأن أو المؤسسات المالية الكبيرة مثل البنوك الخ. وعلى الجانب الأخر يجب أن تلعب الجمعيات الزراعية دورا فاعلا في تدوير المتبقيات الزراعية من خلال توفير الميكنة اللازمة داخل كل جمعية أو مجموعة جمعيات لإنتاج (السماد العضوي أو الأعلاف) من مخلفات الحقول، مما يخلق عائداً اقتصادياً إضافياً ويحمي البيئة.

 

خامسا: إضافة بعض الصياغات القانونية للمواد المنظمة للجمعيات المطورة

على سبيل مثال، التحول للاستثمار التعاوني، حيث ينص على أن يُسمح للجمعيات التعاونية الزراعية بتأسيس شركات مساهمة أو الدخول كشريك في مشروعات التصنيع الزراعي والتصدير، وتُعامل هذه الشركات ضريبياً معاملة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وأيضا الاستدامة المالية والتمويل الذاتي، كأن ينص، يُخصص نسبة 2% من مبيعات لمحاصيل عبر البورصة السلعية لصالح صندوق تطوير الجمعية، ويُستخدم هذا العائد حصرياً في شراء الميكنة الحديثة وتطوير البنية التحتية الرقمية، ولا يجوز استخدامه في الأجور الإدارية.

 

سادسا: تفعل دور الجمعية في تجميع الحيازات الزراعية

عندما يقرر 50 مزارعاً مثلا تجميع حيازاتهم لعمل وحدة زراعية متكاملة متعددة الأنشطة من خلال مشروع زراعي يعتمد على الأسهم وتوزع أرباح الإنتاجية على الأعضاء المندمجين طبقا لقيمة الأسهم، على أن يتم ذلك في إطار قانونيا ترعاه الدولة وتشجعه وتعمل على الرقابة والحماية والحفاظ عليه مما يحد من التعدي والتفتيت للأراضي الزراعية. وفى هذا السياق تقوم الجمعية بدور الاستشاري الفني الذي يضع خطة الزراعة الموحدة. كذلك يمكن أن تقوم الجمعية بتوفير التمويل والميكنة بضمان عقد الزراعة التعاقدية. في هذا الإطار يصبح دخل المزارع معتمدا على كونه عامل بالمشروع باجر والثانية كصاحب أسهم يتقاضى ربحاً في نهاية الموسم.

 

في الواقع أن الناظر الى الفجوة التشريعية الاقتصادية في مصر يجد أنها لن تُحل إلا إذا انتقلنا من قانون يراقب الفلاح إلى قانون يُمكّن الكيان. وتمثل الجمعية التعاونية هنا الكيان الوحيد القادر على إنقاذ الزراعة من تفتت الحيازة، بشرط تحريرها من القيود الإدارية العقيمة ومنحها أدوات استثمارية حديثة.