د. فوزي ابودنيا يكتب : الأمن الغذائي المصري وضغوط هجرة الأشقاء من الدول المجاورة

14 فبراير، 2026 - بتوقيت 2:42 م

د. فوزي محمد أبودنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابق

 

 

لا يمثل هذا المقال توجه ضد أي من الإخوة من الدول الأشقاء إنما هو مجرد رؤية مطروحة لما تتحمله مصر نتيجة الأحداث الجارية التي تدور في الدول العربية الشقيقة المجاورة وهم مرحب بهم في وطنهم مصر. في الواقع تُمثل الهجرة القسرية واللجوء من دول الجوار خاصة السودان، ليبيا، وسوريا، واليمن ضغوطاً “مركبة” على الدولة المصرية، حيث لا تتبع مصر سياسة “المخيمات” بل تدمج المهاجرين داخل النسيج المجتمعي، مما يجعل الضغط مباشراً على البنية التحتية والخدمات اليومية. وفى هذا المقال نلقى الضوء بعمل تحليل سريع لبعض هذه الضغوط، مع التركيز على الأمن الغذائي والمائي.

 

1. الضغوط على الأمن الغذائي

تستضيف مصر ملايين الضيوف (يُقدر عددهم بـ 9-10 ملايين)، وهذا يترتب عليه فجوة في العرض والطلب نتيجة زيادة الاستهلاك السلعي غير المدعم. رغم أن اللاجئين لا يمتلكون “بطاقات تموين”، إلا أنهم يستهلكون السلع التي تدعم الدولة “مدخلات إنتاجها” (مثل الدقيق الحر، الزيوت، والسكر). هذا يرفع فاتورة الاستيراد الحكومية لتلبية احتياجات السوق المحلي المتزايدة. الأمر الأخر خاص بالتضخم السعري المحلي نتيجة الزيادة المفاجئة في الطلب على السلع الأساسية (خاصة اللحوم والخضروات) في المناطق التي تتركز فيها الجاليات (مثل مدينة 6 أكتوبر، فيصل، ومناطق بأسوان) حيث تؤدي هذه الضغوط إلى رفع الأسعار على المواطن المحلي نتيجة الضغط على العرض. بجانب ذلك فهناك استنزاف المخزون الاستراتيجي حيث تضطر الدولة لتقصير المدد الزمنية لتجديد المخزون الاستراتيجي من القمح والزيوت (من 6 أشهر إلى مدد أقل) لمواجهة معدلات الاستهلاك المتسارعة.

 

2. الضغوط على الموارد المائية

هذا هو الملف الأخطر والذي يمثل تحدي الندرة، كون مصر تعاني أصلاً من فقر مائي في الأساس. في الحقيقة يؤدى استضافة مصر لكل هذه الأعداد لزيادة استهلاك مياه الشرب، والذي لم تتحسب الدولة المصرية له نتيجة المفاجئة في حدوث النزوح والهجرة، حيث يقدر استهلاك الفرد اليومي في المناطق الحضرية بـ 150-200 لتر. بوجود 10 ملايين وافد، نحتاج إلى نحو 1.5 إلى 2 مليار متر مكعب سنوياً من مياه الشرب الإضافية فقط، فما بالك بالجوانب الأخرى لاستهلاك المياه لتوفير المستلزمات الحياتية للمهاجرين. يأتي بجانب ذلك الضغط على محطات المعالجة نتيجة زيادة الاستهلاك والتي بالتابعية تعني زيادة في مياه الصرف الصحي التي تحتاج لمعالجة، مما يضع عبئاً تشغيلياً على محطات المعالجة (مثل محطة بحر البقر والحمام) التي كان من المفترض أن تذهب مياهها بالكامل لاستصلاح أراضي الدلتا الجديدة وتوشكى. بجانب كل ذلك فهناك أيضا التأثير غير المباشر على مياه الري، حيث يتم تحويل جزء من حصة المياه العذبة لمواجهة الطلب المتزايد على مياه الشرب للسكان (المواطنين والوافدين) يقتطع بالضرورة من المياه المتاحة لزراعة المحاصيل الاستراتيجية.

 

3. الضغوط على قطاع الطاقة وعلاقته بقطاع الزراعة

يأتي الضغط على الكهرباء والغاز من الجوانب الهامة حيث هناك استهلاك الطاقة في المنازل (تكييفات، طهي، إنارة) يرتفع بشكل طردي مع زيادة السكان، مما يقلل من الفائض الموجه للتصدير أو يزيد من فاتورة استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء. هذا الأمر يؤثر أيضا على القطاع الزراعي نتيجة استهلاك الكهرباء في المنازل. من ناحية أخرى فان الطلب المتزايد من الوافدين (خاصة الجاليات السورية والسودانية مؤخراً) أدى إلى قفزات في أسعار بعض السلع الغذائية في الأسواق، مما مثل ضغطاً اقتصادياً هائلاً على الشباب المصري والأسر متوسطة الدخل.

 

4. الضغط على سوق العمل في قطاع الأغذية

يميل المهاجرون للعمل في “القطاع غير الرسمي” (تجارة التجزئة، المطاعم). بفضل مهاراتهم العالية (مثل السوريين) أو قبولهم بأجور أقل في بعض الأحيان، يمثل ذلك منافسة قوية للعمالة المصرية في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وفي النهاية يمكن القول بان تكلفة الفرصة لاستضافة هؤلاء الضيوف تقدر بنحو 6 إلى 10 مليار دولار سنوياً (بين دعم غير مباشر، واستهلاك بنية تحتية، وضغط على العملة الصعبة لاستيراد الغذاء والطاقة).