د. فوزي ابودنيا : “المورفومناخ “دليل لخارطة طريق وراثية وتغذوية الإنتاج الحيواني

8 مارس، 2026 - بتوقيت 1:28 م
د. فوزى محمد أبودنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني الأسبق
فى الواقع لا يمكن عزل الإنتاج الحيواني عن الوعاء المكاني الذي يحتويه. وهنا يبرز مصطلح المورفومناخ Morphoclimatic كأحد أهم الركائز لفهم كفاءة النظم الإنتاجية. فالمورفومناخ ليس مجرد حالة جوية، بل هو النظام المتكامل الذي يشكل تضاريس الأرض ونوعية تربتها وغطائها النباتي، مما يحدد في النهاية نوع الحيوان الذي يمكنه البقاء والإنتاج في تلك البيئة. يؤثر النظام المورفومناخي على الطبوغرافيا (التضاريس للمراعى) التي تعيش فيها الحيوانات، وهذا ينعكس مباشرة على فسيولوجيا الحيوان. فنجد في الأقاليم القاحلة وشبه القاحلة حيث تسود الرياح والتبخر العالي، مما ينتج تربة فقيرة ومسطحات واسعة. هنا تبرز الحاجة لسلالات (Landraces) قادرة على المشي لمسافات طويلة، مثل أغنام البرقي، التي طورت بنية عظمية وقوائم قوية تتناسب مع هذا التشكيل المورفومناخي. كذلك نرى الإبل أيضا كحيوان ملائم في مثل هذه المناطق. من ناحية أخرى ففي الأقاليم الرطبة والوديان حيث تسود الوفرة المائية، مما يوفر تربة غنية ومصادر مياه وفيرة. هذا النظام المورفومناخي هو البيئة المثالية لحيوانات مثل الجاموس المصري، الذي يحتاج إلى بيئة مائية (Semiaquatic habitat) لتبريد جسمه وتغطية احتياجاته العالية من الأعلاف الخضراء، ويأتي معه الأبقار وسلالات الأغنام الرحماني والاوسيمى.
وهنا يأتي سؤال مهم، هل المورفومناخ له علاقة بتطور السلالات المحلية (Landraces)؟. والإجابة في الواقع تكمن في إن السلالات المحلية هي في الحقيقة نتاج مورفومناخي. فالحيوان لا يتكيف مع الحرارة فقط، بل مع طبيعة الأرض التي شكلها المناخ. فنجد أن التكيف المورفولوجي للأغنام التي تعيش في مناطق مورفومناخية جبلية تمتلك حوافر وجهازاً تنفسياً يختلف عن تلك التي تعيش في السهول المنبسطة. بالإضافة الى إن التمثيل الغذائي يتحكم فيه النظام المورفومناخي الذي يحدد نوع النباتات العلفية المتاحة. ففي المناطق المورفومناخية ذات التربة الملحية، نجد سلالات محلية طورت كفاءة عالية في التعامل مع الأملاح الزائدة، وهو ما يمكن رصده بدقة باستخدام تقنيات التخمير المعملية (In Vitro). ونتيجة العلاقة بين المورفومناخ والموارد العلفية غير التقليدية فان جودة الأعلاف تعتبر نتاجاً مباشراً للتفاعل المورفومناخي. فالتوازن بين معدلات الأمطار ودرجات الحرارة ونوع التربة يحدد نسبة اللجنين في النباتات. حيث نجد في الأقاليم المورفومناخية الحارة، أن النباتات تميل لزيادة الألياف واللجنين كآلية دفاعية، مما يتطلب معه استراتيجيات تغذية خاصة (مثل المعاملات الكيميائية أو البيولوجية). بينما المعادن في العلف (النباتات العلفية) تعكس التركيب المعدني للتربة الذي تشكل عبر آلاف السنين بفعل العمليات المورفومناخية (Weathering).
وهنا يكم سؤال مهم أيضا، هل هناك علاقة بين التغير المورفومناخي وتحديات المستقبل العلفى والحيوانى؟ . وهنا يمكن القول بالفعل مع ظاهرة الاحتباس الحراري نلاحظ تحولاً في الأقاليم المورفومناخية، حيث تزحف النظم الصحراوية على النظم شبه الرطبة. فى الخقيقة إن هذا التحول يؤدي إلى إجهاد السلالات حيث تفقد السلالات المحلية قدرتها على التكيف إذا كان التغير أسرع من قدرتها على الانتخاب الطبيعي. الأمر الأخر والهام أيضا هو تدهور المراعي، حيث أن تغير شكل سطح الأرض (انجراف التربة أو التملح) مما يقلل من جودة وكمية المادة الجافة المتاحة للحيوان. في نهاية المطاف النهاية فإننا نعمل هنا على بناء رؤية إدارية للإنتاج الحيواني في ظل مصطلح المورفومناخ. إن فهم العلاقة بين المورفومناخ والإنتاج الحيواني يسمح لمخططي السياسات الزراعية بوضع خارطة طريق وراثية وتغذوية. فبدلاً من استيراد سلالات غريبة لا تتوافق مع نظامنا المورفومناخي، يجب التركيز على تحسين السلالات المحلية وتطوير مواردنا العلفية غير التقليدية التي أثبتت جدارتها في هذا المحيط البيئي الفريد.



