د. نعمة فوزي ابو دنيا تكتب : العنف الأسري فى الريف احد التحولات المجتمعية خلال فترات الجوائح

12 مايو، 2026 - بتوقيت 7:41 م

د. نعمة فوزى أبودنيا

 

العنف الأسري (Domestic Violence) هو نمط من السلوكيات المسيئة في أي علاقة، يُستخدم لاكتساب أو الحفاظ على السلطة والسيطرة، وذلك وفقًا لوزارة العدل الأمريكية. لكن العنف في المناطق الريفية الأمريكية له سياق خاص، حيث تتقاطع فيه العزلة الجغرافية مع ثقافة المجتمعات المتقاربة وهشاشة البنية التحتية الداعمة. فالناجيات في الريف يواجهن عوائق هيكلية متعددة، من ضعف الوصول إلى التعليم والائتمان والتكنولوجيا، إلى نقص المتخصصين في الصحة والقانون. ولكن ما تأثير الجائحة كوفيد والتحولات المفاجئة نحو الخدمات الافتراضية على هذه الفجوات القائمة أصلاً؟

تكشف الأدبيات أن المجتمعات الريفية المتقاربة تعاني من صعوبة ضمان السرية والخصوصية، مما يخفض معدلات الإبلاغ الرسمية. إضافة إلى ذلك، يواجه مقدمو الخدمات نقصًا حادًا في التمويل والكوادر المؤهلة لإجراء تقييمات مخاطر تراعي السياق الريفي. إلا أن الجائحة أجبرت هذه الوكالات على تبني الحلول الرقمية عن بُعد، في وقت ازدادت فيه وتيرة الاحتكاك الأسري وطالت فترات الفراغ والعزلة. فهل ساهم هذا التحول في سد الفجوة أم عمّقها؟ الإجابة تقتضي فهم التفاعل المعقد بين البنية التكنولوجية المحدودة، والحاجة الملحة للتدخل السريع، وغياب معايير الدعم الموحدة للسياق الريفي.

 

قراءة فى إحدى الدراسات التى عالجت موضوع العنف الأسرى خلال جائحة كورونا

منهجية الدراسة: التصميم الميداني وجمع البيانات

اعتمدت الدراسة على منهج كمى وكيفي لفهم الظاهرة من زوايا متعددة. حيث تم تطوير دليل مقابلة مكون من سبعة أسئلة محورية، وإجراء مقابلات معمّقة مع قادة ائتلافات مناهضة العنف الأسري على مستوى الولايات والأقاليم (عددهم 56) خلال الفترة من نوفمبر 2021 إلى أبريل 2022، مع تغطية شاملة عبر الترشيحات المتتالية، وأُجريت المقابلات عن بُعد عبر منصة Zoom.

كما تم، خلال الفترة من أبريل إلى مايو 2023، تنفيذ استبيان إلكتروني شمل العاملين في وكالات تقديم الخدمات المباشرة، اعتمادًا على حصر شامل للوكالات المدرجة في أدلة مثل DomesticShelters.org وTribal Resource Tool. واشتمل الاستبيان على 34 سؤالًا غطت نطاق الخدمات المقدمة، وبيئة العمل المؤسسية، وتداعيات الجائحة، ومدى الجاهزية الفردية والتنظيمية.

أبرز نتائج المسح الميدانى والدروس المستفادة من تلك الدراسة

بعد تحليل البيانات النوعية والكمية، أثبتت الدراسة أن الجائحة لم تخلق مشكلة العنف الأسري من العدم، بل عمّقت المشكلات البنيوية والاجتماعية القائمة أصلاً. وقد كشفت النتائج عن أربع عقبات مترابطة تتمثل فى محدودية الوصول إلى التكنولوجيا وضعف القدرة على توظيفها، شحّ المساكن الطارئة ووسائل النقل، ونقص الموارد المالية والبشرية والتنظيمية.

وقد تبيّن أن صعوبة ضمان الخصوصية والسرية داخل المجتمعات الريفية المتقاربة تُعدّ عائقًا جوهريًا، حيث تتحول الروابط الاجتماعية القوية أحيانًا من مصدر دعم إلى ضغط مجتمعي، مما يثني الناجيات عن طلب المساعدة خوفًا من الوصمة أو الأحكام المحلية. حتى عند توفر البدائل الافتراضية، ظلت العوائق الهيكلية وضعف البنية التحتية عوامل مُعقّدة للتدخل الفعّال، مما يدل على أن الأزمات الكبرى لا تؤثر على جميع الفئات بالتساوي، بل تضاعف معاناة الفئات الأكثر هشاشة نتيجة ضعف شبكات الأمان المؤسسية.

أوجه التغلب على القصور ونقاط الضعف فى مقاومة العنف الأسرى وحماية الأفراد الأكثر ضعفا

تُثبت هذه الدراسة أن الجائحة عملت ككاشف هيكلي لضعف أنظمة الحماية في المناطق الريفية، مؤكدة أن التحول الرقمي وحده لا يكفي دون سياسات دعم مؤسسي مستدام. كما يُعد تطوير نماذج هجينة (حضوري/رقمي) خطوة ضرورية، شرط أن يُصاحبها استثمارات موجهة لسد الفجوة الرقمية، وتدريب كوادر متخصصة في التقييمات السياقية، وضمان تمويل مرن يطيل من أمد خدمات الحماية. إن الاعتراف بالخصوصية الريفية كعامل حاسم في تصميم الخدمات يمهّد الطريق لنماذج دعم أكثر أمانًا وفعّالية، مثل الاستشارات المشفرة، والشراكات مع مقدمي خدمات محليين غير رسميين، وأنظمة الإنذار المبكر القائمة على البيانات.

في المستقبل، قد يُسهم تحسين البنية التحتية للاتصالات في المناطق النائية، وتطوير منصات دعم تراعي التنوع الثقافي والقبلي، في بناء شبكات أمان شاملة وقابلة للتوسع. كما أن قابلية تعديل برامج التدريب المؤسسي لتناسب السياقات الريفية المحددة، تمنح هذه المنظومة مرونة أكبر في الاستجابة للأزمات الحالية والمستقبلية.