د. ابراهيم الاخضر يكتب : التسميد العضوي والحيوي… كفاءة مضاعفة

13 يونيو، 2026 - بتوقيت 11:17 م

د .إبراهيم الأخضر أستاذ الميكروبيولوجي – معهد بحوث الأرضي والمياه والبيئة – مركز البحوث الزراعية

 

تتجه الزراعة الحديثة بشكل متزايد نحو البرامج المتكاملة لإدارة التغذية النباتية، بعدما أثبتت التجارب الحقلية أن الاعتماد على وسيلة واحدة لتغذية النبات لا يحقق دائمًا أفضل النتائج. وفي هذا السياق برز مفهوم الدمج بين التسميد العضوي والتسميد الحيوي كأحد أكثر الممارسات نجاحًا في العديد من المحاصيل، حيث يجمع بين مزايا المصدر العضوي للمغذيات وبين النشاط الحيوي للكائنات الدقيقة النافعة. ولا يقوم هذا الدمج على زيادة عدد المدخلات الزراعية، بل على تحسين التفاعل بين مكونات التربة والنبات والكائنات الحية الدقيقة، بما يرفع كفاءة الاستفادة من الموارد المتاحة داخل الحقل.

علاقة تكاملية وليست إضافة منفصلة
عند استخدام الأسمدة العضوية والمخصبات الحيوية معًا، لا يعمل كل منهما بمعزل عن الآخر. فالمواد العضوية توفر بيئة غنية بالكربون والمركبات الغذائية التي تساعد الكائنات الدقيقة على النمو والاستقرار داخل التربة. وفي المقابل، تساهم الكائنات الدقيقة في تسريع بعض عمليات التحلل الحيوي وتحسين إتاحة العناصر الغذائية للنبات، ما يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى الشراكة البيولوجية منها إلى مجرد إضافة منفصلة لمصدرين مختلفين من المدخلات الزراعية. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن فعالية العديد من المخصبات الحيوية ترتفع عندما تتوفر لها بيئة مناسبة غنية بالمادة العضوية، مقارنة باستخدامها في تربة منخفضة النشاط الحيوي.

تحسين كفاءة استخدام العناصر الغذائية
من أهم المكاسب التي تحققها برامج الدمج بين التسميد العضوي والحيوي زيادة كفاءة الاستفادة من العناصر الغذائية الموجودة في التربة أو المضافة إليها. ففي مراجعة علمية نشرت في مجلة Agriculture، أظهرت العديد من الدراسات أن الإدارة المتكاملة التي تجمع بين المادة العضوية والمخصبات الحيوية ساهمت في رفع كفاءة استخدام النيتروجين والفوسفور مقارنة باستخدام كل نظام بصورة منفردة. وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة في ظل تزايد الاهتمام بتحسين كفاءة استخدام الأسمدة وتقليل الفاقد منها، خاصة في الأراضي التي تعاني من انخفاض الاستفادة الفعلية من العناصر الغذائية.

دعم استقرار الإنتاج في الظروف الصعبة
تواجه النباتات خلال موسم النمو العديد من الضغوط البيئية مثل ارتفاع درجات الحرارة أو نقص المياه أو ضعف النشاط الحيوي في التربة. وأشارت أبحاث منشورة في Frontiers in Sustainable Food Systems إلى أن برامج الإدارة المتكاملة التي تجمع بين المادة العضوية والكائنات الدقيقة النافعة ساعدت في تحسين استجابة النباتات لظروف الإجهاد المختلفة، نتيجة تعزيز النشاط الحيوي حول الجذور وتحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة. ورغم اختلاف حجم الاستجابة بين المحاصيل والبيئات الزراعية، فإن الاتجاه العام للدراسات يؤكد أن الدمج بين النظامين يعزز قدرة النبات على الحفاظ على نموه بصورة أكثر استقرارًا مقارنة بالاعتماد على مدخل واحد فقط.

نتائج أفضل من استخدام كل نظام بمفرده
تشير العديد من الدراسات التطبيقية إلى أن التأثير الإيجابي للدمج لا يقتصر على جانب واحد من نمو النبات، بل يشمل مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالأداء الزراعي. ففي تحليل لعدد من الدراسات المنشورة حول برامج الإدارة المتكاملة للمغذيات، سجلت بعض المحاصيل زيادات في الإنتاجية تراوحت بين 10 و20% مقارنة باستخدام التسميد العضوي أو الحيوي بصورة منفردة، مع اختلاف النتائج بحسب نوع المحصول وطبيعة التربة ومستوى الإدارة الزراعية. ويؤكد الباحثون أن هذه الزيادات لا ترتبط فقط بزيادة العناصر الغذائية المتاحة، بل بتحسين كفاءة استخدام الموارد داخل المنظومة الزراعية ككل.

متى يحقق الدمج أعلى كفاءة؟
نجاح الدمج بين التسميد العضوي والحيوي يعتمد على عدة عوامل، أهمها:
استخدام مصادر عضوية جيدة التحلل ومطابقة للمواصفات.
اختيار مخصبات حيوية تحتوي على سلالات فعالة ومعتمدة.
تطبيق المخصبات الحيوية في الوقت المناسب لضمان نشاطها.
تجنب استخدام المواد التي قد تؤثر سلبًا على الكائنات الدقيقة النافعة.
دمج البرنامج ضمن منظومة متكاملة تشمل الري والإدارة الزراعية السليمة.
ويؤكد المتخصصون أن نجاح الدمج لا يعتمد على زيادة الكميات المستخدمة، بل على تحقيق التوازن بين المكونات المختلفة داخل الحقل.
.
مستقبل برامج التسميد المتكامل
مع تزايد الاهتمام العالمي بكفاءة استخدام الموارد الزراعية، يتوقع أن تتوسع برامج الدمج بين التسميد العضوي والحيوي خلال السنوات المقبلة، خاصة في النظم الزراعية التي تستهدف تحقيق إنتاج مستقر مع تحسين كفاءة إدارة المدخلات. كما تتجه العديد من مراكز البحوث الزراعية إلى تطوير منتجات تجمع بين المادة العضوية والكائنات الدقيقة النافعة في صورة واحدة، بهدف تسهيل التطبيق الحقلي وتحقيق أعلى استفادة ممكنة للمزارعين.
الخلاصة
لم يعد السؤال في الزراعة الحديثة: أيهما أفضل، التسميد العضوي أم الحيوي؟ بل أصبح: كيف يمكن الاستفادة من مزايا كل منهما في برنامج متكامل؟ وتشير الأدلة العلمية المتاحة إلى أن الدمج بين النظامين يوفر بيئة أكثر توازنًا للنبات والتربة، ويساعد على تحسين كفاءة استخدام العناصر الغذائية ودعم استقرار الإنتاج الزراعي. لذلك يُنظر إلى هذا التوجه اليوم باعتباره أحد المسارات الواعدة في إدارة التغذية النباتية خلال السنوات المقبلة.