د.فوزي ابودنيا يكتب : التوأم الرقمي للكرش لتحسين استراتيجيات خفض انبعاثات الميثان

14 أبريل، 2026 - بتوقيت 6:32 م
د. فوزى محمد أبو دنيا – مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا
العديد من الإضافات العلفية المتوفرة حاليًا في السوق تتمتع بالقدرة على خفض انبعاثات الميثان بشكل ملحوظ، لكن تأثيرها على الإنتاجية يظل محدودًا. ومن هنا بدأت فكرة التوأم الرقمي للكرش وهو نماذج ذكاء اصطناعي ذو قدرة تنبؤية تساعد على تحسين فهمنا للنظم البيولوجية المعقدة مثل تعقيدات عملية التخمير بكرش المجترات وتوجيه تطوير استراتيجيات أكثر فعالية لخفض الميثان، تدعم في آنٍ واحد تقليل الانبعاثات وتحسين إنتاجية الأبقار.
تحدي الميثان والإنتاجية
لان انبعاثات الثروة الحيوانية تُعد مصدرًا مهمًا لانبعاثات غازات الدفيئة، وهناك مجموعة من الحلول العلفية الهادفة إلى خفض الميثان المعوي تنتقل حاليًا من مرحلة البحث إلى مرحلة التبني التجاري المبكر. وتشير عدة إضافات علفية متوفرة في السوق قدرتها على تحقيق خفض قابل للقياس في انبعاثات الميثان، يصل في بعض الحالات إلى نسب مزدوجة الرقم. ويمثل هذا تقدمًا ذا مغزى ويعكس تطورات كبيرة في الفهم العلمي والابتكار. ومع ذلك، يبقى سؤال مهم، هل هذه المنتجات فعالة حقًا إذا كنا نسعى لخفض الميثان وتحقيق أداء حيواني عالٍ في الوقت نفسه؟ فعدد من المنتجات المتاحة تجاريًا يُظهر بالفعل إمكانات واضحة لخفض الميثان، ويُظهر بعضها أيضًا ارتباطًا إيجابيًا مع الإنتاجية ضمن نظم إنتاجية محددة، سواء في عمليات إنتاج الألبان أو اللحوم. وفي الوقت نفسه، توجد اختلافات ملحوظة بين الحلول المتاحة. فقد تحقق بعض الإضافات خفضًا قويًا في الميثان لكنها تقدم فوائد محدودة لأداء الحيوان، بينما تدعم أخرى الإنتاجية لكن يكون تأثيرها على الانبعاثات أكثر تواضعًا. حقيقة إن الناظر الى استراتيجية تخفيف الميثان من الناحية المثالية يرى انه يجب أن تحقق نتيجتين معًا في آن واحد، الأول تحسين الإنتاجية والثاني تقليل الانبعاثات. ولا يوجد سبب جوهري يجعل هذين الهدفين في تعارض، لكنهما في الممارسة العملية يُعاملان غالبًا كمقايضة. وبالتالي، يكمن التحدي الرئيسي في كيفية إطلاق حلول تحقق كلا الهدفين في آنٍ واحد. ومن هنا جاء التفكير في استخدام الذكاء الاصطناعي، وبالتحديد التوائم الرقمية، للمساعدة على تحقيق ذلك.
الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير للثروة الحيوانية
تناولت العديد من الشركات التي تعمل في مجال تطبيق الذكاء الاصطناعي العمل على وضع حلول للتغلب على بعض التحديات في الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان أو لتحسين التشخيصات (من حيث النتائج والسرعة). البعض الأخر من الشركات ركز على اكتشاف الميكروبيوم لفهم النظم البيئية الميكروبية بشكل أفضل، وعلى البيولوجيا التركيبية لهندسة بكتيريا بروبيوتيك مفيدة. بالإضافة إلى ذلك، يُعد الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير ركيزة أساسية في أبحاث كثير من الشركات العاملة في علوم الحياة، ويتم تطبيقه حاليًا لمعالجة قضايا كثيرة للحيوان وكذلك التحديات المرتبطة بالمناخ، بما في ذلك انبعاثات الميثان من إنتاج الثروة الحيوانية. في ارض الواقع ظهرت بعض نماذج الذكاء الاصطناعي التنبؤية والتي تساعد على تحسين فهمنا للنظم البيولوجية المعقدة مثل الكرش حيث يركز الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير على تطوير نماذج تنبؤية قادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات بسرعة، مع جعل العلاقات بين المتغيرات شفافة، مما يحسن فهمنا للنظم البيولوجية المعقدة. وفي أبحاث الثروة الحيوانية، يمثل كرش الأبقار وعملية إنتاج الميثان (توليد الميثان بواسطة ميكروبيوم الكرش) التي تحدث داخله مثالًا واضحًا لمثل هذا النظام المعقد. وعند أخذ عوامل إضافية في الاعتبار مثل الوراثة، وتكوين ميكروبيوم الكرش، والمتناول العلف للحيوان، يصبح النظام أكثر تعقيدًا. ويمثل تحدي الميثان في صناعة الثروة الحيوانية مثالًا مثاليًا على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات المناخية المعقدة.
بناء توأم رقمي للكرش
ونتيجة دعم الذكاء الاصطناعي لفهم تعقيد عمل كرش الأبقار كنظام بيولوجي بشكل أفضل، أمكن التنبؤ بإنتاج الميثان بدقة أكبر وتحديد كيفية تأثير استراتيجيات تخفيف الميثان على معايير الإنتاج الرئيسية. وقد ساعد ذلك في تصميم حلول علفية لخفض الميثان من الجيل التالي تكون أكثر فعالية بشكل عام من الإضافات العلفية المتوفرة حاليًا في السوق والتي لها القدرة على خفض انبعاثات الميثان بشكل ملحوظ لكن تأثيرها على الإنتاجية محدود، بينما تدعم أخرى الإنتاجية دون خفض الميثان بشكل كبير. وبالتالي، يسهم ذلك في تطوير الهدف من استخدام رؤى بيولوجية أعمق لتطوير حلول تحقق كلا النتيجتين بنجاح. لقد تمكنت بعض الشركات على ارض الواقع نتيجة التمويل من البدء في تطوير توأم رقمي للكرش، وهو نموذج قائم على الذكاء الاصطناعي مصمم للتنبؤ بالعلاقة بين المدخلات والمخرجات في إنتاج الألبان واللحوم، فيما يتعلق بالاستدامة البيئية والإنتاجية. ويستخدم النموذج مجموعات بيانات متكاملة كبيرة تجمع بين البيانات المتاحة للعموم والبيانات الخاصة بالوراثة، والمدخول الحراري والغذائي، وتكوين الميكروبيوم. لقد أصبح التوأم الرقمي للكرش من الجيل الأول الذي طورته شركة BiomEdit جاهزًا الآن ويُستخدم في البحث وجمع البيانات. وعلى الرغم من أن النموذج بُني في البداية باستخدام بيانات أبقار الألبان، إلا أنه يمكنه قبول مدخلات من أنواع مجترات أخرى. وأنتجت التجارب الأولية باستخدام بيانات عن الأغنام في أستراليا تنبؤات معقولة لكل من انبعاثات الميثان وأداء الإنتاج. وتشير هذه النتائج إلى أن نموذج الذكاء الاصطناعي يعمم عبر الأنواع والمناطق الجغرافية والاختلافات في تكوين الميكروبيوم. والتوائم الرقمي هو نموذج أساسي توليدي مصمم لالتقاط العلاقات المعتمدة على السياق بين المجترات وميكروبيومات كرشها. حيث تبدأ البيانات التركيبية التي يولدها التوأم الرقمي للكرش من الجيل الأول الآن في استخراج البيانات لضبط النموذج بدقة وسد فجوات المعرفة الحالية. وتُعد هذه القدرة مهمة لأن البيانات العالمية حول انبعاثات المجترات، والأداء، والوراثة، والتدخلات موجودة بالفعل، لكنها مجزأة عبر الدراسات ومخزنة بتنسيقات غير متسقة. وعلى الرغم من تواجد التوائم الرقمي الآن انه يمكن القول ليس كل مجموعة بحثية تقيس نفس المتغيرات، أو تقيسها في نفس السياق، لكن هناك بيولوجيا كامنة شديدة التعقيد تربط بينها ومن هنا يتطور نموذج التوائم الرقمي بسرعة وبكفاءة ودقة. كما يساعد نموذج التوأم الرقمي في فك التعقيد البيولوجي ويوفر نظرة ثاقبة حول سبب إنتاج بعض تقنيات تخفيف الميثان لنتائج غير متسقة. كما يسمح باستكشاف سيناريوهات مستقبلية. على سبيل المثال، إذا حددنا مستوى انبعاثات الميثان والإنتاجية التي نريد تحقيقها، يمكن للنموذج المساعدة في تصميم ملف الميكروبيوم المقابل، إلى جانب استراتيجية التغذية المطلوبة لزيادة الإنتاجية مع خفض انبعاثات الميثان.
زيادة فعالية التخفيف بنسبة 70%
نظرًا للتركيز القوي على خفض الميثان المعوي من المجترات، لأسباب مناخية واضحة، لكن أيضًا لأن الميثان يمثل فقدانًا للبروتين والطاقة للحيوان. وفى الحقيقة نحن نحتاج إلى أدوات أفضل لفهم هذا النظام وإدارته بشكل فاعل، وبما أن الميكروبيوم في الكرش هو المفتاح لتكوين الميثان، فإن السؤال الرئيسي هو إذا عرفنا ميكروبيوم الأبقار، هل يمكننا التنبؤ بأدائها وانبعاثات الميثان الخاصة بها؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا يمكننا أن نفعل بهذه المعلومات فيما يتعلق بتطوير الحلول؟. وفى هذا السياق نجد أن التوأم الرقمي للكرش، الذي طورته BiomEdit، والذي يستبدل بالتجارب الحيوانية الطويلة والمكلفة لاكتشاف تقنيات تخفيف الميثان وتخصيصها للظروف التي تكون فيها أكثر فعالية. وبالتالي مع هذه المعلومات، يمكننا تخصيص علائق المجترات لخفض الميثان وتحسين الإنتاجية، وحتى تصميم ميكروبيومات للأنماط الظاهرية المرغوبة. وأعتقد أنه من خلال معرفة ما ينجح، وأين، في بيئة الكرش المعقدة، يمكننا من الضبط الدقيق وزيادة فعالية تقنيات تخفيف الميثان بنسبة 70%.



